ينبغى أن تعلم أنّ الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمّة، وآلات كثيرة؛ من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ، وإصابة المعانى، وإلى الحساب، وعلم المساحة، والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره وشرحه، لأنّا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلّها، وبقى عليه المعرفة بصنعة الكلام، وهى أصعبها وأشدّها.
والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرّد، أنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسى لعلم الناس بى؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج فى نفسه مسألة مشكلة إلا لقينى بها، وأعدّنى لها، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس، لا يخفى علىّ مشتبه من الشّعر والنّحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذى أقصده نصب عينى، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان. ولقد بلغنى أنّ عبيد الله بن سليمان ذكرنى بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أمورى؛ فأتعبت نفسى يوما فى ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عمّا فى ضميرى، فينصرف لسانى إلى غيره. ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة.
فأوّل ما ينبغى أن تستعمله فى كتابتك مكاتبة كلّ فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوّتهم فى المنطق، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.
والشاهد عليه أن النبىّ ﷺ لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس
[ ١٥٤ ]
كتب إليهم بما يمكن ترجمته، فكتب: من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس:
سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، فأدعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الخلق كافّة لينذر من كان حيّا، ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك.
فسهّل ﷺ الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شىء على من له أدنى معرفة فى العربية.
ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخّم اللفظ، لما عرف من فضل قوتهم على فهمه وعادتهم لسماع مثله.
فكتب لوائل بن حجر الحضرمى:
من محمد رسول الله إلى الأقيال «١» العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، على التّبعة الشاة، والتّيمة لصاحبها «٢»، وفى السّيوب «٣» الخمس؛ لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار «٤»، ومن أجبى فقد أربى، وكلّ مسكر حرام «٥» .
وكذلك كتابه ﷺ لأكيدر صاحب دومة الجندل «٦»:
[ ١٥٥ ]
من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله.
إنّ لنا الضاحية من الضّحل «١» والبور والمعامى «٢» وأغفال الأرض، والحلقة والسّلاح، ولكم الضّامنة «٣» من النّخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم «٤»، ولا تعدّ فاردتكم «٥»، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤدّون الزكاة، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه.
واعلم أنّ المعانى التى تنشأ الكتب فيها من الأمر والنّهى سبيلها أن تؤكّد غاية التوكيد بجهة كيفية نظم الكلام، لا بجهة كثرة اللّفظ؛ لأنّ حكم ما ينفذ عن السلطان فى كتبه شبيه بحكم توقيعاته؛ من اختصار اللفظ وتأكيد المعنى. هذا إذا كان الأمر والنهى واقعين فى جملة واحدة لا يقع فيها وجوه التمثيل للأعمال.
فأمّا إذا وقعا فى ذلك الجنس فإنّ الحكم فيهما يخالف ما ذكرناه، وسبيل الكلام فيها أن يحمل على الإطالة والتكرير دون الحذف والإيجاز؛ وذلك مثل ما يكتب عن السلطان فى أمر الأموال وجبايتها واستخراجها، فسبيل الكلام أن يقدّم فيها ذكر مارآه السلطان فى ذلك ودبّره، ثم يعقّب بذكر الأمر بامتثاله، ولا يقتصر على ذلك حتى يؤكّد ويكرّر لتأكّد الحجة على المأمور به، ويحذّر مع ذلك من الإخلال والتقصير.
ومنها الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ، والذمّ والاستصغار، والعدل والتوبيخ، وسبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، ويمد القول حسب ما يقتضيه آثار المكتوب إليه فى الإحسان والإساءة والاجتهاد والتقصير؛ ليرتاح بذلك قلب المطيع، وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسىء ويأخذ نفسه بالارتداع.
[ ١٥٦ ]
فأمّا ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم، فإنّ سبيل ما كان واقعا منها فى إنهاء الأخبار، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال، ويجرى على أيديهم من صنوف الأموال أن يمدّ القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع، وتمام الشرح والاستقصاء؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع، ويكون ذلك بالألفاظ السهلة القريبة المأخذ، السريعة إلى الفهم، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد، وربما تعرض الحاجة فى إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتّورية عن الشىء دون الإفصاح؛ لما فى التصريح من هتك السّتر؛ فى حكايته «١» عن عدوّ أطلق لسانه به، وفيه اطّراح مهابة الرئيس؛ فيجب إجلاله عنه؛ وفى الصدق ما يسوءه سماعه، ويقع بخلاف محبّته؛ فيحتاج منشىء الكلام إلى استعمال لفظ فى العبارة لا تنخرق معه هيبة الرئيس، ولا يعترض فيه ما يشتدّ عليه، ولا يكون أيضا معها خيانة فى طىّ ما لا يجب ستره، ولا يكمل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم.
وسبيل ما يكتب به فى باب الشكر ألّا يقع فيه إسهاب؛ فإن إسهاب التابع فى الشكر، إذا رجع إلى خصوصية، نوع من الإبرام «٢» والتثقيل؛ ولا يحسن منه أن يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم تتقدّم لهم وسائل من الخدمة ومقدّمات فى الحرمة، أو تكون صناعتهم التكسّب بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين. فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء.
وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء فى صدر الكتاب والرّقاع عندما يجريه من ذكر الرئيس؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة، والحكم فيما يستعمله من ذلك فى الكتب مشبّه بحكم ما يستعمل منه شفاها. ويقبح من خادم السلطان أن «٣» يشغل سمعه فى مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كلّ لفظة.
وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع فى معنى الاستعطاف ومسألة النّظراء
[ ١٥٧ ]
ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها، واستيلاء الخصاصة «١» عليه فيها؛ فإنّ ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلّة ظهور نعمته عليه.
وهذا عند الرؤساء مكروه جدّا، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة «٢» .
وسبيل ما يكتب به فى الاعتذار من شىء أن يتجنّب فيه الإطناب والإسهاب إلى إيراد النكت التى يتوهم أنها مقنعة فى إزالة الموجدة، ولا يمعن فى تبرئة ساحته فى الإساءة والتقصير؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء؛ والذى جرت به عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط فى أداء حقوقهم وتأدية فروضهم؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منّة مستأنفة تستدعى شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضى نشرا؛ فأما إذا بالغ المتنصّل فى براءة ساحته من كلّ ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه فى إعفائه عن ترك السخط، بل ذلك أمر واجب له؛ وفى منع الرئيس حصّته منه ظلم وإساءة.
وينبغى أن يكثر الألفاظ عنده، فإن احتاج إلى إعادة المعانى أعاد ما يعيده منها بغير اللّفظ الذى ابتدأه به؛ مثل ما قال معاوية ﵁: من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو لزيق؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تيّاها فهو سنيد «٣» . فقال: «دخيل» ثم قال: «لزيق» ثم قال: «سنيد» . والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن، ولو قال لزيق، ثم أعاده لسمج.
هذا، أدام الله عزك، بعد أن تفرّق بين من تكتب إليه؛ «فإن رأيت، وبين من تكتب إليه» فرأيك «٤» . وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء
[ ١٥٨ ]
والنظراء والغلمان والوكلاء، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر السلامة، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما، وبين من تكتب إليه: أنا أفعل كذا، وبين من تكتب إليه: نحن نفعل كذا؛ «فأنا» من كلام الإخوان والأشباه، «ونحن» من كلام الملوك. وتكتب فى أول الكتاب «سلام عليك»، وفى آخره «والسلام عليك»؛ لأنّ الشىء إذا ابتدأت بذكره كان نكرة، فإذا أعدته صار معرفة؛ كما تقول: مرّ بنا رجل فإذا رجع قلت: رجع الرّجل.
وكان الناس فيما مضى يستعملون فى أوّل فصول الرسائل «أما بعد» . وقد تركها اليوم جماعة من الكتّاب، فلا يكادون يستعملونها فى شىء من كتبهم، وأظنّهم المّوا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته، فقال: إنك تكثّر الردّ، وتشير باليد، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا فى التفسير أنّ قول الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
هو قوله أمّا بعد؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف، ورغبة فيما جاء فيه من التأويل فهو حسن؛ وإن تركته توخّيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عمّا أصّلوه لم يكن ضائرا.
وينبغى أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه وعلى القدر المكتوب فيه.
وقد كتب بعضهم إلى حبّة له: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه:
يا غليظ الطّبع؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا.
واعلم أنّ الذى يلزمك فى تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط، ولا يلزمك فيها السّجع؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن، ما لم يكن فى سجعك استكراه وتنافر وتعقيد، وكثر ما يقع ذلك فى السّجع، وقلّ ما يسلم- إذا طال- من استكراه وتنافر.
[ ١٥٩ ]
وينبغى أن تتجنّب إعادة حروف الصلات والرباطات فى موضع واحد إذا كتبت مثل قول القائل: منه له عليه. أو عليه فيه. أو به له منه. وأخفها له عليه، فسبيله أن تداويه حتى تزيله بأن تفصل ما بين الحرفين، مثل أن تقول: أقمت به شهيدا عليه؟؟؟.
ولا أعرف أحدا كان يتتبّع العيوب فيأتيها غير مكترث إلا المثنى، فإنه ضمّن شعره جميع عيوب الكلام ما أعدمه شيئا منها حتى تخطّى إلى هذا النوع فقال «١»:
ويسعدنى فى غمرة بعد غمرة سبوح له منها عليها شواهد «٢»
فأتى من الاستكراه بما لا يطار غرابه.
فتدبّر ما قلناه، وارتسمه تظفر ببغيتك منه إن شاء الله.
[ ١٦٠ ]
الباب الرّابع فى البيان عن حسن النظم وجودة الرّصف والسّبك وخلاف ذلك
أجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشّعر، وجميعها تحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب.
وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التّعمية، فإذا كان المعنى سبيّا، ووصف الكلام رديّا لم يوجد له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. وإذا كان المعنى وسطا، ورصف الكلام جيّدا كان أحسن موقعا، وأطيب مستمعا؛ فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائعا فى المرأى وإن لم يكن مرتفعا جليلا، وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبّة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا.
وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ فى مواضعها، وتمكّن فى أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّى المعنى؛ وتضمّ كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها.
وسوء الرّصف تقديم ما ينبغى تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها، ومخالفة الاستعمال فى نظمها.
وقال العتابى: الألفاظ أجساد، والمعانى أرواح؛ وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت منها مؤخّرا، أو أخّرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيّرت المعنى؛ كما لو حوّل رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، لتحوّلت الخلقة، وتغيّرت الحلية.
(١١- الصناعتين)
[ ١٦١ ]