وقبح الأخذ أن تعمد إلى المعنى فتتناوله بلفظه كلّه أو أكثره، أو تخرجه فى معرض مستهجن؛ والمعنى إنما يحسن بالكسوة: أخبرنا بعض أصحابنا قال: قيل للشعبى: إنّا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك! فقال: إنى أجده عاريا فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفا؛ أى من غير أن أزيد فى معناه شيئا.
فمما أخذ بلفظه ومعناه وادّعى آخذه- أو ادّعى له- أنه لم يأخذه، ولكن وقع له كما وقع للأول؛ كما سئل ابن عمرو بن العلاء عن الشاعرين يتّفقان على لفظ واحد ومعنى. فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها، وذلك قول طرفة «١»:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
وهو قول امرىء القيس «٢»:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل
فغيّر طرفة القافية.
وقال الحرث بن وعلة «٣»:
الآن لمّا ابيضّ مسربتى «٤» وعضضت من نابى على جذم «٥»
وقال غسان السليطى:
الآن لما ابيضّ مسربتى وعضضت من نابى أجذامى
[ ٢٢٩ ]
وقال البعيث:
أترجو كليب أن يجىء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديمها
وقال الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجىء صفارها بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
ومثل هذا كثير فى أشعارهم جدا.
والأخذ إذا كان كذلك كان معيبا وإن ادّعى أن الآخر لم يسمع قول الأول، بل وقع لهذا كما وقع لذاك؛ فإنّ صحة ذلك لا يعلمها إلّا الله ﷿، والعيب لازم للآخر.
روى لنا أن عمر بن أبى ربيعة أنشد ابن عباس ﵁:
تشطّ غدا دار جيراننا «١»
فقال ابن عباس:
وللدّار بعد غد أبعد
فقال عمر: والله ما قلت إلّا كذلك.
وإذا كان القوم فى قبيلة واحدة، وفى أرض واحدة، فإنّ خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة؛ وأنشدت الصاحب إسماعيل ابن عباد:
كانت سراة الناس تحت أظلّه «٢»
فسبقنى وقال:
فغدت سراة الناس فوق سراته «٣»
وكذلك كنت قلت.
[ ٢٣٠ ]
فعلى هذا جائز ما يدّعى لهم؛ والظاهر ما قلناه؛ فهذا ضرب.
والضرب الآخر من الأخذ المستهجن أن يأخذ المعنى فيفسده أو يعوصه، أو يخرجه فى معرض قبيح وكسوة مسترذلة، وذلك مثل قول أبى كريمة:
قفاه وجه، ثم وجه الذى قفاه وجه يشبه البدرا
وإنّما أخذ هذا من قول أبى نواس «١»:
بأبى أنت من مليح بديع بذّ حسن الوجوه حسن قفاكا
وأحسن ابن الرومى فيه فقال:
ما ساءنى إعراضه عنّى ولكن سرّنى
سالفتاه عوض من كلّ شىء حسن
وإليه أشار عبد الصمد بن المعذّل فى قوله:
لمّا رأيت البدر فى أفق السّماء وقد تعلّى
ورأيت قرن الشّمس فى أفق الغروب وقد تدلّى
شبّهت ذاك وهذه وأرى شبيههما أجلّا
وجه الحبيب إذا بدا وقفا الحبيب إذا تولّى
وأخذه أبو نواس من قول النابغة «٢» للنعمان بن المنذر: أيفاخرك ابن جفنة! واللات، لأمسك خير من يومه، ولقذالك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ولعبيدك أكثر من قومه، ولنفسك أكبر من جنده، وليومك أشرف من دهره، ولو عدك أنجز من رفده، ولهزلك أصوب من جدّه، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولفترك أبسط من شبره، ولأمّك خير من أبيه.
[ ٢٣١ ]
والنابغة أحذق الجماعة؛ لأنه ذكر القذال، وهؤلاء قالوا: القفا، ولا يستحسن أن يخاطب الرجل فيقال له: قفاك حاله كذا وكذا.
ومن ذلك قول الحسن بن وهب، وقد سمع قولى أعرابى اجتمع مع عشيق له فى بعض الليالى: اجتمعت معها فى ظلمة الليل، وكان البدر يرينيها، فلما غاب أرتنيه، فقال:
أرانى البدر سنّتها عشاء فلما أزمع البدر الأفولا
أرتنيه بسنّتها «١» فكانت من البدر المنوّر لى بديلا
فأطال الكلام، وجعل المعنى فى بيتين، وكرّر السّنة والبدر.
وقال البحترى فأربى على الأعرابىّ وزاد عليه «٢»:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع وقامت مقام البدر لما تغيّبا
وسمع بعضهم قول محمود الوراق:
إذا كان شكرى نعمة الله نعمة علىّ له فى مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله وإن طالت الأيام واتّصل العمر
إذا مسّ بالسّرّاء عمّ سرورها وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجر
وما منهما إلّا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
فقال وأساء:
الحمد لله إنّ الله ذو نعم لم يحصها عددا بالشّكر من حمدا
شكرى له عمل فيه علىّ له شكر يكون لشكر قبله مددا
فهذا مثال قبح الأخذ، فاعلمه.
وأخذ ابن طباطبا قول على ﵁: قيمة كل امرىء ما يحسنه؛ فقال:
[ ٢٣٢ ]
فيا لائمى دعنى أغال بقيمتى فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
فأخذه بلفظه، وأخرجه بغيضا متكلّفا.
والجيد قول الآخر:
فقيمة كل امرىء علمه
فهذا وإن كان أخذه ببعض لفظه فإن «كلا» فى بيته أحسن موقعا منه فى بيت ابن طباطبا.
وقال قرواش بن حوط:
دنوت له بأبيض مشرفىّ كما يدنو المصافح للعناق
أخذه أبو تمام فقصّر عنه «١»؛ وقال:
حنّ إلى الموت حتى ظنّ جاهله بأنّه حنّ مشتاقا إلى وطن
وأحسن تقسيمه البحترى، فقال «٢»:
تسرّع حتى قال من شهد الوغى لقاء أعاد أم لقاء حبائب
وقال ذو الرمة «٣»:
وليل كجلباب العروس ادّرعته بأربعة والشّخص فى العين واحد
أحمّ علافىّ وأبيض صارم وأعيس مهرىّ وأروع ماجد «٤»
أخذه أبو تمام فقصّر وقال «٥»:
البيد والعيس والليل التّمام معا «٦» ثلاثة أبدا يقرنّ فى قرن «٧»
[ ٢٣٣ ]
وبيت البحترى فى معناه أجود من هذا، إلا أنه لا يلحق بيت ذى الرمة:
اطلبا ثالثا سواى فإنّى رابع العيس والدّجى والبيد
ومما قصّر فيه البحترى «١»:
قوم ترى أرماحهم يوم الوغى مشغوفة بمواطن الكتمان
أخذه من قول عمرو بن معديكرب «٢»:
والضاربين بكلّ أبيض مرهف والطّاعنين مجامع الأضغان
قوله: «مجامع الأضغان» أجود من قوله: «مواطن الكتمان»؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطّعن فى موضع الضغن فذلك غاية المراد.
ومما قصر فيه قوله «٣»:
من غادة منعت وتمنع نيلها فلو أنّها بذلت لنا لم تبذل
أخذه من قول عبد الصمد بن المعذّل «٤»:
ظبى كأنّ بخصره من دقّة ظمأ وجوعا
ومن البليّة أنّنى علّقت ممنوعا منوعا «٥»
بيت عبد الصمد أبين معنى مع شدة الاختصار. وبيت البحترى كالعويص لا يقام إعرابه إلّا بعد نظر طويل.
وقال جابر بن السليك الهمدانى «٦»:
أرمى بها الليل قدّامى فيغشم بى «٧» إذ الكواكب مثل الأعين الحول
[ ٢٣٤ ]
أخذه البحترى فقصّر فى النظم عنه فقال «١»:
وخدان القلاص حولا إذاقا بلن حولا من أنجم الأسحار
الأول أسلس.
وقال أبو تمام «٢»:
فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد لا المجد فى كفّ امرىء والدّراهم
وقال البحترى فقصّر «٣»:
ليفر وفرك الموفى «٤» وإن أء وز أن يجمع النّدى ووفوره
وأخذ أبو تمام قول الشاعر:
فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا إلى النّازع المقصور كيف يكون
فقال وقصر «٥»:
هرمت بعدى والربع الذى أفلت منه بدورك معذور على الهرم
متكلف ردىء الاستعارة.
وقد يتفق المبتدى للمعنى والآخذ منه فى الإساءة؛ قال ابن أذينة:
كأنما عائبها دائبا زيّنها عندى بتزيين
فأتى بعبارة غير مرضية ونسج غير حسن، وأخذه أبو نواس فقال:
كأنما أثنوا ولم يعلموا عليك عندى بالّذى عابوا
فأتى أيضا برصف مرذول ونظم مردود.
وقد يستوى الآخذ والمأخوذ منه فى الإجادة؛ فى التعبير عن المعنى الواحد.
قال أعرابى:
فنمّ عليها المسك والليل عاكف
[ ٢٣٥ ]
وقال البحترى «١»:
وحاولن كتمان الترحّل فى الدّجى فنمّ بهنّ المسك حتى تضوّعا
وقال أيضا «٢»:
فكان العبير بها واشيا وجرس الحلى عليها رقيبا
وقال النابغة «٣»:
فإنّك كالليل الذى هو مدركى وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وقال أبو نواس «٤»:
لا ينزل الليل حيث حلّت فدهر شرّابها نهار
فأحسنا جميعا فى العبارة؛ وللنابغة قصبة السبق.
ومثل ذلك قول لبيد «٥»:
ولابدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال بشار:
وردّ علىّ الصّبا ما استعارا
وقال الفرزدق «٦»:
تفاريق شيب فى الشّباب لوامع وما حسن ليل ليس فيه نجوم
وقال أبو نواس:
كأنّ بقايا ما عفا من حبابها تفاريق شيب فى سواد عذار
البيتان متساويان فى حسن الرصف، وإن كان أبو نواس أساء فى أخذه
[ ٢٣٦ ]
لفظ الفرزدق؛ وفى قول الفرزدق أيضا زيادة، وهى: «وما حسن ليل ليس فيه نجوم» .
وأنشد أبو أحمد؛ قال: أنشدنا أبو بكر عن عبد الرحمن عن عمه:
حرام على أرماحنا طعن مدبر وتندقّ قدما فى الصّدور صدورها
مسلمة أعجاز خيلى فى الوغى ومكلومة لبّاتها ونحورها
أخذه أبو تمام؛ فقال «١»:
أناس إذا ما استحكم الرّوع كسّروا صدور العوالى فى صدور الكتائب «٢»
فأحسنا جميعا.
ومثله قول الآخر:
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف «٣» اصطبر لشبا القنا فهدمت ركن المجد إن لم تعقر
ومثله قول بكر بن النطاح:
يتلقّى النّدى بوجه حيىّ وصدور القنا بوجه وقاح
وهذا كلّه مأخوذ من قول كعب بن زهير «٤»:
لا يقع الطّعن إلّا فى نحورهم وما لهم عن حياض الموت تهليل «٥»
وهو دون جميع ما تقدّم.
وقد أتيت فى هذا الباب على الكفاية، ولا أعلم أحدا ممن صنّف فى سرق الشعر فمثل بين قول المبتدى وقول التّالى؛ وبين فضل الأول على الآخر، والآخر على الأوّل، غيرى؛ وإنما كانت العلماء قبلى ينبّهون على مواضع السّرق فقط؛ فقس بما
[ ٢٣٧ ]
أوردته على ما تركته؛ فإنى لو استقصيته لخرج الكتاب عن المراد، وزاغ عن الإيثار؛ وبالله التوفيق.
تمّ الجزء الأول من كتاب الصناعتين، ويتلوه فى الجزء الثانى الباب السابع فى التشبيه. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
وهو حسبنا ونعم الوكيل
[ ٢٣٨ ]