ومما يدخل فى هذا الباب المساواة، وهو أن تكون المعانى بقدر الألفاظ، والألفاظ بقدر المعانى لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب؛ وإليه أشار القائل بقوله: كأنّ ألفاظه قوالب لمعانيه؛ أى لا يزيد بعضها على بعض.
فما فى القرآن من ذلك قوله ﷿: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
«١» .
وقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
«٢» . ومثله كثير.
ومن كلام النبى ﷺ: «لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة مغنما والزكاة مغرما» . وقوله ﷺ: «إياك والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة» «٣» .
ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه، وإنما يكره تميزها كراهة الإطالة.
ومن نثر الكتّاب قول بعضهم: سألت عن خبرى وأنا فى عافية لا عيب فيها إلا فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك.
[ ١٧٩ ]
وقوله: علمتنى نبوتك سلوتك، وأسلمنى يأسى منك إلى الصّبر عنك. وقوله:
فحفظ الله النعمة عليك وفيك، وتولّى إصلاحك والإصلاح لك، وأجزل من الخير حظّك والحظّ منك، ومنّ عليك وعلينا بك.
وقال آخر: يئست من صلاحك بى، وأخاف فسادى بك، وقد أطنب فى ذم الحمار من شبّهك به.
ومن المنظوم قول طرفة «١»:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول الآخر:
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحت فإن تأبّت فبالأشرار تنقاد
وقول الآخر:
فأمّا الّذى يحصيهم فمكثّر وأمّا الّذى يطريهم فمقلّل
وقول الآخر «٢»:
أهابك إجلالا وما بك قدرة علىّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنك عندها قليل، ولكن قلّ منك نصيبها
وقول الآخر:
أصدّ بأيدى العيس عن قصد أهلها وقلبى إليها بالمودّة قاصد
وقول الآخر:
يقول أناس لا يضيرك فقدها بلى كل ما شفّ النفوس يضيرها «٣»
وقال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه وحول نلتقى فيه قصير
[ ١٨٠ ]
وقالوا: لا يضيرك نأى شهر فقلت لصاحبىّ: فمن يضير
قوله: «لصاحبى» يكاد يكون فضلا.