فهذا مقابلة باللفظ والمعنى.
وأما ما كان منها بالألفاظ، فمثل قول عدى بن الرّقاع «٣»:
ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها
وقال عمرو بن كلثوم «٤»:
ورثناهنّ عن آباء صدق ونورثها إذا متنا بنينا
(٢٢- الصناعتين)
[ ٣٣٧ ]
ومن النثر قول بعضهم: فإنّ أهل الرأى والنّصح لا يساويهم ذو الأفن والغشّ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة، كمن أضاف إلى العجز الخيانة. فجعل بإزاء الرأى الأفن وبإزاء الأمانة الخيانة؛ فهذا على وجه المخالفة.
وقيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يعدّ كلامه، فأنكر ذلك الرشيد، وقال:
إذا دخل فقولوا له: ولد لأمير المؤمنين فى هذه الليلة ابن ومات له ابن، ففعلوا. فقال:
سرّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدة بواحدة، ثواب الشاكر، وأجر الصابر؛ فعرفوا أنّ بلاغته طبع.
وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل: شكرى لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه.
وكتب بعض الكتاب إلى رجل: فلو أن الأقدار إذ رمت بك فى المراتب إلى أعلاها بلغت بك من أفعال السودد منتهاها لوازنت مساعيك مراقيك، وعادلت النعمة عليك النعمة فيك، ولكنك قابلت رفيع المراتب بوضيع الشّيم؛ فعاد علوّك بالاتفاق إلى حال دونك بالاستحقاق، وصار جناحك فى الانهياض «١» إلى مثل ما عليه قدرك فى الانخفاض؛ ولا عجب أن القدر أذنب فيك فأناب، وغلط بك فعاد إلى الصواب؛ فأكثر هذه الألفاظ مقابلة وقال الجعدى «٢»:
فتى كان فيه ما يسرّ صديقه على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
وقال آخر «٣»:
وإذا حديث ساءنى لم أكتئب وإذا حديث سرنى لم أشر «٤»
وهذا فى غاية التقابل.
ومن مقابلة المعانى بعضها لبعض، وهو من النوع الذى تقدم فى أول الفصل قول الآخر:
وذى أخوة قطّعت أقران بينهم كما تركونى واحدا لا ألحاليا
[ ٣٣٨ ]
وقول الآخر «١»:
أسرناهم وأنعمنا عليهم وأسقينا دماءهم الترابا
فما صبروا لبأس عند حرب ولا أدّوا لحسن يد ثوابا
فجعل بإزاء الحرب أن لم يصبروا، وبإزاء النعمة أن لم يثيبوا؛ فقابل على وجه المخالفة.
وقال آخر «٢»:
جزى الله عنا ذات بعل تصدقت على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بمثل فعالها إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
فجعل حاجته وهو عزب بحاجتها وهى عزب، ووصاله إياها فى حال عزبتها، كوصالها إياه فى حال عزبته؛ فقابل من جهة الموافقة.
ومن سوء المقابلة قول امرىء القيس «٣»:
فلو أنها نفس تموت سوّية ولكنها نفس تساقط «٤» أنفسا
ليس «سوية» بموافق «لتساقط» ولا مخالف له، ولهذا غيّره أهل المعرفة فجعلوه «جميعة»؛ لأنه بمقابلة «تساقط» أليق.