ثم نرجع إلى السرقات: قال بعضهم للربيع بن خيثم، وقد رأى اجتهاده فى العبادة: أتعبت نفسك، قتلت نفسك. فقال: راحتها أطلب. فقال الشاعر «١»:
سأطلب بعد الدّار عنكم، لتقربوا وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا
[ ٢١٩ ]
وقال غيره «١»:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ولم تدر أنّى للمقام أطوّف
ومثل ذلك أن بعضهم رأى أعرابيا مقبلا إلى مكة ليصوم فيها شهر رمضان والحرّ شديد؛ فقال له: أتجمع على نفسك الصوم وحرّ تهامة؟ فقال: من الحرّ أفرّ! وقيل لروح بن قبيصة بن المهلب، وهو واقف فى الشمس على باب الخليفة: لقد طال وقوفك فى الشمس! فقال: الظلّ أريد؛ فقال أبو تمام «٢»:
أآلفة النّحيب كم افتراق أظلّ فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلّا لموقوف على ترح الوداع
وقال امرؤ القيس «٣»:
فبعض اللّوم عاذلتى فإنّى ستكفينى التّجارب وانتسابى
يقول: لا أنتسب إلا إلى ميت.
وقال لبيد «٤»:
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معدّ فلترعك العواذل
فأخذه الحسن البصرى، فقال نثرا: إنّ امرءا لم يعد بينه وبين آدم ﵇ إلا أبا ميتا لمعرق له فى الموت؛ فأخذه أبو نواس، فقال «٥»:
وما الناس إلّا هالك وابن هالك وذو نسب فى الهالكين عريق «٦»
وقال الله ﷿: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
، فأخذه الشاعر فقال- وقصّر عنه:
[ ٢٢٠ ]
ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم خيلا تكرّ عليهم ورجالا
وكذا قصّرت الخنساء فى قولها:
ولولا كثرة الباكين حولى على إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى ولكن أعزّى النّفس عنه بالتّأسّى
عن قول الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ.