ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة
[ ٣٧٧ ]
من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلّف، وبان عليها سمة التعسف، وسلم بعضها ولم يسلم بعض؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء:
حامى الحقيقة محمود الخليقة مه دىّ الطريقة نفاع وضرّار
هذا البيت جيد؛ ثم قالت:
فعّال سامية ورّاد طامية للمجد نامية تعنيه أسفار
هذا البيت ردىء لتبرىء بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت:
جواب قاصية جزّاز ناصية عقّاد ألوية للخيل جرّار
آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ثم قالت:
حلو حلاوته فصل مقالته فاش حمالته للعظم جبّار
وهذا مثل ما قبله؛ وقول أبى صخر الهذلى «١»:
وتلك هيكلة خود مبتّلة «٢» صفراء رعبلة فى منصب سنم
هذا البيت صالح؛ وبعده:
عذب مقبّلها جذل مخلخلها كالدّعص «٣» أسفلها مخصورة القدم
كأن قوله: «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه؛ وبعده:
سود ذوائبها بيض ترائبها محض ضرائبها صيغت على الكرم
وهذا البيت أيضا قلق القافية؛ وبعده:
سمح خلائقها درم مرافقها يروى معانقها من بارد شبم
هذا البيت ردىء لبعد ما بين الخلائق، والمرافق، وما بين الدّرم، والسمح؛ ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح وليس لعظم مرفقها حجم «٤» . وهذا مثل قول القائل لو قال: خلق فلان حسن وشعره جعد «٥» . ليس هذا من تأليف
[ ٣٧٨ ]
البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم «١»:
آبى الهضيمة ناء بالعظيمة مت لاف الكريمة جلد غير ثنيان «٢»
حامى الحقيقة نسّال الوديقة مع تاق الوسيقة لا نكس ولاوان «٣»
البيت الثانى أجود من الأول؛ وقوله:
ربّاء مرقبة منّاع مغلبة وهاب سلهبة قطاع أقران «٤»
وهذا البيت أيضا صالح؛ وبعده:
هبّاط أودية حمّال ألوية شهاد أندية سرحان فتيان «٥»
قوله: سرحان فتيان ناب قلق؛ وبعده:
يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله من التلاد وهوب غير منّان
التارك القرن مصفرّا أنامله كأن فى ريطتيه نضح إرقان «٦»
هذا البيت جيّد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلّف فيه السجع ولم يتوخ الموازنة.