وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.
فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.
فقد أنشدنا أبو أحمد ﵀ قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:
طرقتك عزّة من مزار نازح يا حسن زائرة وبعد مزار
ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان،
[ ١٣٩ ]
قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله «١»:
تصطكّ إلحيها على دلائها تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها جزّ العجوز الثّنى من كسائها «٢»
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال «٣»:
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك «٤»:
وأوثق عند المردفات عشيّة لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
[ ١٤٠ ]
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف
[ ١٤١ ]
أطرافه، ولا تتنافر أطراره «١»، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.
ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك إذا نبّها منك داء عضالا
إذا نبّها ليث عرّيسة «٢» مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهوله بوجناء حرف تشكّى الكلالا «٣»
فكنت النهار به شمسه وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:
نفوسا ومالا.
وقال الآخر:
وفى أربع منّى حلت منك أربع فما أنا دار أيّها هاج لى كربى
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدنيا متاع غرور
فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:
وإن عظمت فى أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
[ ١٤٢ ]
وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:
فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:
فيالك مغدى مرة ورواحا
فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تمّ البيت.
ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة «١»:
ولست بحلّال التّلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد «٢»
فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
وهكذا قول الأعشى «٣»:
وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه سهوب وموماة وبيداء سملق «٤»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
[ ١٤٣ ]
قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.
وهكذا قول عنترة «١»:
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه جلمان بالأخبار هشّ مولع «٢»
إنّ الذين نعبت لى بفراقهم هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا «٣»
ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.
وقول السموءل «٤»:
فنحن كماء المزن ما فى نصابنا كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٥»
ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.
وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس «٦»:
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن «٧» وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
[ ١٤٤ ]
لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة «١»:
وإنى وتركى ندى الأكرمين وقدحى بكفّى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه سراب أذاعته رياح السمائم
كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:
وإنى وتركى ندى الأكرمين وقدحى بكفّى زندا شحانا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه سراب أذاعته رياح السمائم
[ويقال] «٢»:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.
ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس «٣»:
(١٠- الصناعتين)
[ ١٤٥ ]
محمد «١» إنّ الحاسدين حشود وإنّ مصاب المزن حيث تريد
ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء.
وقريب من ذلك قول الطالبى:
قوم هدى الله العباد بجدّهم والمؤثرون «٢» الضيف بالأزواد
ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم:
إنّ الأعادى لن تنال قديمنا حتّى تنال كواكب الجوزاء
كم فى لجيم من أغرّ كأنّه صبح يشقّ طيالس الظّلماء
ومجرّب خضل «٣» السنان إذا التقى زحف بخاطرة الصدور ظلماء
وكقول القطامى «٤»:
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمض «٥» والريح ساكنة والظلّ معتدل
إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير موضعه.
وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها، مثل قول أبى نواس «٦»:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم بنى برمك من رائحين وغادى
وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله:
لقد أمسى صلاح أبى علىّ لأهل الأرض كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنا نبالى الموت حيث غدا وراحا
[ ١٤٦ ]
فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل:
ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه شهاب حريق واقد ثم خامد
ستألف فقدان الّذى قد فقدته كإلفك وجدان الّذى أنت واجد
فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك:
رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنيّة حين تغدو على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى توفى نذرها بأبى الوليد
وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه، ومازال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.
وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق، وتتحرّى الحقّ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.
وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله «١»:
واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثّمد «٢»
يحفّه جانبا نيق «٣» وتتبعه مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد
[ ١٤٧ ]
فكمّلت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما حسبت تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخّصا، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه، واطّرد سبيله.
ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها»
:
هاج الخيال «٢» لنا ذكرى إذا طافا وافى يخادعنا والصبح قد وافى
وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه، وهو قوله «٣»:
قضيت عنى ابن بسطام صنيعته عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا
وكان معروفه قصدا إلىّ «٤» وما جازيته عنه تبذيرا وإسرافا
مئون عينا تولّيت الثّواب بها حتى انثنت لأبى العباس آلافا
قد كان يكفيه ممّا قدّمت يده ربّا «٥» يزيد على الآحاد أنصافا
ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.
أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما
[ ١٤٨ ]
وجثجاثا» «١» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفاحا- فلم يحتمل.
والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى «٢»:
أين البطاريق والحلف الّذى حلفوا بمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا
هذا قبيح جدّا، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم يستوله، فقال: بمفرق الملك، ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، وبقمحدوة «٣» سيّده.
وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.
ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ، والثلاثىّ أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا؛ فقس على هذا.
ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول بعضهم:
لمّا التقينا صاح بين بيننا يدنى من القرب البعاد لحاقا
فقوله: «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أنّ البيت كلّه ردىء، ليس من وصف البلغاء.
[ ١٤٩ ]
وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها «١»، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:
له زجل كأنّه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير
فلم يشبع.
وقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بنى زياد
فقال: «ألم يأتيك»، فلم يجزم.
وقال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله فى الغوانى هل يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
فحرّك حرف العلة.
وقال قعنب بن أمّ صاحب «٢»:
مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقى إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
فأظهر التضعيف.
ومثله قول العجاج «٣»:
تشكو الوجى من أظلل وأظلل «٤»
[ ١٥٠ ]
وقال جميل «١»:
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقال «٢»:
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه بنشر «٣» وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل.
وقال غيره «٤»:
من الثّعالى ووخز من أرانيها «٥»
إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.
وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.
وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.
فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:
يضحك منها كلّ عضو لها من بهجة العيش وحسن القوام
[ ١٥١ ]
ترفل فى الدّار لها وفرة كوفرة الملط «١» الخليع الغلام
كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:
«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.
وقول ابن طباطبا:
وعجلة تشدو بألحانها وكانت الكيّسة الخادمه
لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.
وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة «٢»:
وتقول بوزع قد دببت على العصا هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال له الملك «٣»: أفسدتها ببوزع.
وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.
وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب ﵁ ليستعمله فردّه، وقال:
أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.
وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.
[ ١٥٢ ]
ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.
فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.
وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.
[ ١٥٣ ]