ومثال الغلو من النثر قول امرأة من العجم كانت لا تظهر إذا طلعت الشمس فقيل لها فى ذلك، فقالت: أخاف أن تكسفنى. وقال أعرابى: لنا تمرة فطساء جرداء؛ تضع التمرة فى فيك، فتجد حلاوتها فى كعبك. وقيل لأعرابىّ: ما حضر «٢» فرسك؟
قال: يحضر ما وجد أرضا. ووصف أعرابى فرسه، فقال: إن الوابل ليصيب عجزه؛ فلا يبلغ إلى معرفته حتى أبلغ حاجتى. وذمّ أعرابى رجلا، فقال: يكاد يعدى لؤمه من تسمّى باسمه.
وكتب بعضهم يصف رجلا، فقال: أما بعد، فإنك قد كتبت تسأل عن فلان، كأنك قد هممت بالقدوم عليه، أو حدّثت نفسك بالوفود إليه، فلا تفعل، فإنّ حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان الله تعالى، وإنّ الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله تعالى، والرجاء لما فى يديه لا ينبغى إلا بعد اليأس من رحمة الله تعالى؛ لا يرى إلا أن الإقتار الذى نهى الله عنه هو التبذير الذى يعاقب عليه، والاقتصاد الذى أمر به هو الإسراف الذى يغضب منه، وأن الصنيعة مرفوعة، والصلة موضوعة، والهمة مكروهة، والثقة منسوخة، والتوسع ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين، وأن مواساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة، وإفضاله عليه إحدى الكبائر المرهقة، وأن الله تعالى لا يغفر أن يؤثر المرء على نفسه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا؛ كأنه لم يسمع بالمعروف إلا فى الجاهلية الذين قطع الله دابرهم، ومحا معالمهم، ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وحظر عليهم أن يختاروا مثل اختيارهم، يظنّ أن الرّجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، ولم تهلك عادا بالريح العقيم
[ ٣٥٨ ]
إلا لتوسّع كان فيهم، فهو يخشى العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على الإمساك، ويعذر نفسه فى العقوق، ويلوى ماله عن الحقوق؛ خيفة أن ينزل به قوارع العالمين.
ويأمرها بالبخل خشية أن يصيبه ما أصاب القرون الأولين، فأقم- رحمك الله- على مكانك، واصطبر على عسرتك، عسى الله أن يبدّلنا وإياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما.
وقالت سكينة بنت الحسين ﵄ وقد أثقلت ابنتها بالدر: ما ألبستها إياه إلا لتفضحه؛ ونحوه قول الشاعر:
جارية أطيب من طيبها والطّيب فيه المسك والعنبر
ووجهها أحسن من حليها والحلى فيه الدرّ والجوهر
وقال ابن مطير «١»:
مخصّرة الأوساط زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
وقيل لأعرابى: فلان يدّعى الفضل على فلان، فقال: والله لئن كان أطول من مسيره ما بلغ فضله، ولو وقع فى ضحضاح معروفه غرق. وقال أعرابى: الناس يأكلون أماناتهم لقما، وفلان يحسوها حسوا، ولو نازعت فيه الخنازير لقضى به لها لقرب شبهه منها، وما ميراثه عن آدم إلا أنه سمى آدميا. وذكر أعرابى رجلا، فقال: كيف يدرك بثاره وفى صدره حشو مرفقة من البلغم، وهو المرء لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأزدى قال: حدثنا ابن أبى السرى، عن رزين العروضى، قال: لقيت أبا الحرث جميزا «٢» ومعه غلام لمحمد بن يحيى البرمكى متعلق به، فقلت له: ما لهذا متعلق بك؟ فقال:
لأنى دخلت أمس على مولاه وبين يديه خوان من نصف خشخاشة، فتنفست فطار
[ ٣٥٩ ]
الخوان فى أنفى فهذا يستعدى علىّ، فقلت له: أما تستحى مما تقول؟ فقال: الطلاق له لازم لو أن عصفورا نقر حبّة من طعام بيدره ما رضى حتى يؤتى بالعصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور! قلت: قبحك الله! ما أعظم تعدّيك! فقال: علىّ المشى إلى بيت الله الحرام إن لم يكن صعود السماء على سلم من زبد حتى يأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك رغيفا فى اليوم.