كقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تمّ المعنى.
ونحو قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
، فبقوله تعالى:
«استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع الكلم.
ونحو قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ.
ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك. فبقولها:
«نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه وتدعوه إلى ما يوبقه.
ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك بأخيك كله.
ومن المنظوم قول عمرو بن براق:
فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته فما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم:
بها نلنا الغرائب من سوانا وأحرزنا الغرائب أن تنالا
فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» .
وقول الآخر «١»:
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب
[ ٣٨٩ ]
وقول طرفة «١»:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى
فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة فى قوله «٢»:
ألا يا سلمى يا دار مىّ على البلى ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرّمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا»، وهو يقول خلاف ما يستحسن.
ومن التتميم قول الراعى:
لا خير فى طول الإقامة لامرىء إلّا إذا ما لم يجد متحوّلا
ونحوه قول الآخر:
إذا كنت فى دار يهينك أهلها ولم تك مكبولا بها فتحوّل
وقول الآخر:
ومقام العزيز فى بلد الذّلّ إذا أمكن الرحيل محال
فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النّمر:
لقد أصبح البيض الغوانى كأنما يرين إذا ما كنت فيهنّ أجربا
وكنت إذا لاقيتهنّ ببلدة يقلن على النّكراء أهلا ومرحبا
فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن أهل ومرحب.
وقول الآخر:
وهل علمت بيتنا إلّا وله شربة من غيره وأكله
فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله.
[ ٣٩٠ ]
وقول الشماخ «١»:
جماليّة لو يجعل السّيف عرضها على حده لا ستكبرت أن تضوّرا «٢»
فقوله: «على حده» تتميم عجيب.
ويدخل فى هذا الباب قول الآخر:
وقلّ من جدّ فى أمر يطالبه فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وقول الخنساء «٣»:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به كأنه علم فى رأسه نار
فقولها: «فى رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها، وهو مأخوذ من قول الأعشى «٤»:
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء يكن ما أساء النار فى رأس كبكبا «٥»
إلا أنها أخرجته فى معرض أحسن من معرض الأعشى، فشهر واستفاض، وخمل معها بيت الأعشى ورذل، وهذا دليل على صحة ما قلنا من أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ، وتجميل الصورة. وقول الآخر:
ألا ليت النهار يعود ليلا فإنّ الصبح يأتى بالهموم
حوائج لا نطيق لها قضاء ولا ردّا، وروعات الغريم
فقوله: «ولا ردا» تتميم.
[ ٣٩١ ]