ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد، فقد استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطوّل عليه فى إلحاقه بنظرائه من المرتزقين فيما يرتزقون، فأعلمته أنّ أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفع بهم، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما، وأوقفناك عليهما.
ومن المنظوم قول بشّار:
وإذا ما التقى ابن نهيا وبكر زاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر
أراد أنهما يتبادلان، وقال آخر فى ابن حجام:
أبوك أب مازال للناس موجعا لأعناقهم نقرا كما ينقر الصّقر
[ ٣٦٨ ]
إذا عوّج الكتّاب يوما سطورهم فليس بمعوجّ له أبدا سطر
وقال بعض المتقدمين:
وقد جعل الوسمىّ ينبت بيننا وبين بنى دودان نبعا وشوحطا
النّبع والشّوحط، كأنه كنّى بهما عن القسى والسهام؛ ومثله قول الآخر:
وفى البقل ما لم يدفع الله شرّه شياطين ينزو بعضهنّ على بعض
وقول رؤبة:
يابن هشام أهلك النّاس اللبن فكلّهم يعدو بقوس وقرن
وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع، وهو وقت الغزو عندهم.
وكتب كافى الكفاة: إن فلانا طرق بيته وهو الخيف؛ لا خوف على من دخله، ولا يد على من نزله، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكؤوس تارة، والفؤوس مرة، فمن ذى معول يهدم، ومن ذى مغول «١» يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ، فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة «٢»، تحكم يمناها فى أخادعه، وتتقى بيسراها وقع أصابعه، والحاضرون يحرّضونها على القتال، ويدعونها إلى النزال، والشيخ يناديهم:
تجمعتم من كل أوب وبلدة على واحد لازلتم قرن واحد
ثم علم أن الحرب خدعة، ولكل امرىء فرصة، فتلقّاها بالأثافى طلاقا بتّا وفراقا بتلا. وأخذ ينشد:
إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة وابن أبىّ أبىّ من أبيين «٣»
ولكن بعد ماذا، بعد ما ضمّوا الخصر، وأموا الحصر، وأدمنوا العصر، وافتتحوا القصر.
(٢٤- الصناعتين)
[ ٣٦٩ ]
وكان ما كان مما لست أذكره فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر
فأكثر هذا الكلام كنايات.