ومن خفىّ السرق أن أبا مسلم قال لجلسائه: أى الأعراض ألام؟ فقالوا وأكثروا. فقال: ألأمها عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم؛ فأخذه المراغى، فقال:
هجوت زهيرا ثم إنى مدحته وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وأخذ علىّ بن الجهم قول الفرزدق «١»:
ما الباهلىّ بصادق لك وعده ومتى تعدك الباهليّة تصدق
فقال «٢»:
الرّحّجيّون لا يوفون ما وعدوا والرّحّجيّات لا يخلفن ميعادا
وسمع بعضهم قول العرب: إذا فارق القمر الثريا فقد ولّى الشتاء. فنظمه فقال:
إذا ما فارق القمر الثريّا لثالثة فقد ذهب الشتاء
وسمعت قول النبى ﷺ: «يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم حيثما كانوا»؛ فقلت:
يسعى بذمّتهم أدناهم وهم يد على من سواهم حيثما كانوا
وهذا يدلّك على صحّة ما تقدّم.
[ ٢٢١ ]
وسمع بعض الكتاب قول أبى تمام «١»:
فإن يجد علة نغمّ بها حتى ترانا نعاد من مرضه «٢»
فكتب: من نزل منزلتى من طاعتك ومشاركتك كان حقيقا أن يهنّأ بالنعمة تحدث عندك، ويعزّى على النائبة تلمّ بك. فنقل العيادة إلى المصيبة والتعزية.
وقال بعضهم: الكتابة نقض الشعر.
وقيل للعتابى: بم قدرت على البلاغة؟ فقال: بحلّ معقود الكلام.
وأحسن أبو تمام فى قوله «٣»:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّما قد اكتحلت منه البلاد بإثمد «٤»
وزاد فيه على أبى نواس، ومنه أخذ، وهو قوله:
أبن لى كيف صرت إلى حريمى وجنح الليل مكتحل بقار
لأنّ الاكتحال يكون بالإثمد، ولا يكون بالقار.
وممن أخفى الأخذ ابن أبى عيينة فى قوله:
ما كنت إلّا كلحم ميت دعا إلى أكله اضطرار
أخذه من قول الأول:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
ذكر ذلك عن المأمون.
ومما زاد فيه المتأخّر على المتقدّم فحسن معرضه، وسهل مطلعه قول ابن المعتز:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا مثل القلامة إذ قدّت من الظّفر
[ ٢٢٢ ]
وقال الأول «١»:
كأنّ ابن ليلته جانحا فسيط لدى الأفق من خنصر «٢»
الفسيط: قلامة الظفر.
وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخّر وطلب الشركة فيه معه إلا بيت عنترة «٣»:
وترى الذّباب بها يغنّى وحده هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ «٤» ذراعه بذراعه قدح «٥» المكبّ على الزّناد الأجذم
فإنه ما نوزع فى هذا المعنى على جودته. وقد رامه بعض المجيدين فافتضح.
وأخذ البحترى قول الشماخ «٦»:
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعها من الماسخيّات القسىّ الموتّرا «٧»
مبراة- من البرة، وهى الحلقة تجعل فى أنف الناقة فزاد عليه؛ فقال «٨»:
كالقسىّ المعطّفات بل ال أسهم مبرية بل الأوتار
وهذا ترتيب مصيب من أجل أنه بدأ بالأغلظ، ثم انحطّ إلى الأدقّ؛ وقد عيب
[ ٢٢٣ ]
ترتيب أبى تمام فى قوله:
أو كالخلوق أو كالملاب «١»
فبدأ بالأنفس ثم انحطّ إلى الأخسّ؛ كما تقول: هو مثل النّجم، بل، بل الشمس؛ فترتفع من الشىء إلى ما هو أعلى منه؛ وإذا قلت: هو مثل الشمس بل القمر، بل النجم، لم يحسن.
وقال عروة بن الورد «٢»:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ولم تدر أنّى للمقام أطوّف
أخذه أبو تمام وزاد عليه فقال «٣»:
ربّ خفض تحت السّرى وغناء من عناء ونضرة من شحوب
وقال إبراهيم بن العباس للفضل بن سهل «٤»:
لفضل بن سهل يد تقاصر عنها المثل
فبسطتها للغنى وسطوتها للأجل
وباطنها للنّدى وظاهرها للقبل
فاتّبعه ابن الرومى فأحسن الاتّباع؛ فقال:
أصبحت بين خصاصة وتجمّل والحرّ بينهما يموت هزيلا
فامدد إلىّ يدا تعوّد بطنها بذل النّوال وظهرها التّقبيلا
وقال بشّار:
الدّهر طلّاع بأحداثه ورسله فيها المقادير
محجوبة تنفذ أحكامها ليس لنا عن ذاك تأخير
[ ٢٢٤ ]
فاتّبعه ابن الرومى وأحسن الاتّباع أيضا، فقال:
يظلّ عن الحرب العوان بمعزل وآثاره فيها وإن غاب شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه على الخلق طرّا ليس عنه معرّد «١»
إلّا أنّ قول بشار أكثر ماء وطلاوة.
ومما لم يسىء الاتّباع فيه قوله أيضا:
سكنت سكونا كان رهنا بوثبة عماس، كذلك اللّيث للوثب يلبد «٢»
وإنما أخذه من قول النابغة «٣»:
وقلت يا قوم إنّ اللّيث منقبض على براثنه للوثبة الضّارى
وكذلك قوله:
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدا رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد
أخذه من قول البحترى «٤»:
سماه أسرته «٥» العلاء، وإنما قصدوا بذلك أن يتمّ علاه
وزاد أبو تمام أيضا على الأفوه، والنابغة، وأبى نواس، ومسلم، فى معنى تداولوه؛ وهو قول الأفوه «٦»:
وترى الطّير على آثارنا رأى عين ثقة أن ستمار «٧»
وقول النابغة «٨»:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم عصائب طير تهتدى بعصائب «٩»
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
(١٥- الصناعتين)
[ ٢٢٥ ]
وقول أبى نواس «١»:
تتأيّى «٢» الطّير غدوته ثقة بالشّبع من جزره
وقول مسلم «٣»:
قد عوّد الطير عادات وثقن بها فهنّ يتبعنه فى كلّ مرتحل
فقال أبو تمام «٤»:
أقامت مع الرّايات حتى كأنّها من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل
فقوله: «أقامت مع الرايات» زيادة.
وزاد عليه بعض المحدثين، فقال:
يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال أبو تمام «٥»:
همّة تنطح النجوم وجدّ آلف للحضيض فهو حضيض
أخذه البحترى فحسّنه وهو قوله «٦»:
متحيّر يغدو بعزم قائم فى كلّ نائبة وجدّ قاعد
ومما أخذه أيضا من أبى تمام فقسّمه تقسيما حسنا قوله «٧»:
ملك له فى كلّ يوم كريهة إقدام عزّ واعتزام مجرّب
هو من قول أبى تمام «٨»:
ومجرّبون سقاهم من بأسه فإذا لقوا فكأنهم أغمار «٩»
وقال أبو العتاهية «١٠»:
كم نعمة لا يستقلّ بشكرها لله فى طىّ المكاره كامنه
[ ٢٢٦ ]
أخذه أبو تمام، فقال «١»:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
فزاد عليه لأنه أتى بضدّ المعنى.
وقال أبو تمام «٢»:
رأيت رجائى فيك وحدك همّة ولكنّه فى سائر الناس مطمع
فأخذه البحترى فاختصره، فقال «٣»:
ثنى أملى فاحتازه عن معاشر يبيتون والآمال فيهم مطامع
وأخذه ابن الرومى، فقال:
به صدّق الله الأمانى حديثها وقد مرّ دهر والأمانى وساوس
وقال أبو تمام «٤»:
رافع «٥» كفّه لسبرى فما أح سبه جاءنى لغير اللّطام «٦»
أخذه البحترىّ فزاد عليه فى حسن اللفظ والسّبك؛ فقال «٧»:
ووعد ليس يعرف من عبوس بأوجههم أوعد أم وعيد
وقال الحنيف بن السّجف:
وفرقت بين ابنى هنيم بطعنة لها عاند يكسو السّليب إزارها
يعنى بالعاند: الدم؛ فأخذه البحترى فزاد عليه فى اللفظ، وقال «٨»:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرّة فكأنهم لم يسلبوا
على أن «محمرة» حشو.
وقال أبو تمام «٩»:
[ ٢٢٧ ]
كأنّما خامره أولق أو خالطت «١» هامته الخندريس «٢»
وقال البحترى «٣»:
وتخال ريعان الشّباب يروعه من حدّة «٤» أو نشوة أو أفكل «٥»
فزاد عليه.
وقال أبو تمام «٦»:
أنضرت أيكتى عطاياك حتى عاد غصنى ساقا وكان قضيبا «٧»
فقال البحترى- وزاد «٨»:
حتى يعود الذّؤيب ليثا ضيغما والغصن ساقا والقرارة نيقا «٩»
ومثل هذا كثير وفيما أوردت كفاية إن شاء الله.
[ ٢٢٨ ]