ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة، وامتداد الزمان الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كلّ لغة، وعند كلّ أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله.
ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ وليس شىء أسير من الشعر الجيّد، وهو فى ذلك نظير الأمثال.
وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى والأيام من مثل سائر، وشعر نادر.
ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة غير معروفة فى الرسائل والخطب.
ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنيّة، ولا يهتزّ ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتزّ له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام.
[ ١٣٧ ]
ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار، ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء مفقود فى غير الشعر.
ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللّذات- إذا سمعها ذوو القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطّط فيه الألفاظ؛ فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة.
ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، وفحلها وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص فى صناعته.
ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول ﷺ شاهد.
وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر فى علومها [إليه] ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة.
وأمّا النقص الذى يلحق الشّعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه، واستثناء الله ﷿ فى أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور.
وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات
[ ١٣٨ ]
صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا. والذى قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد.
ومن صفات الشعر الذى يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مدبح نفسه فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك أبياتا من الشعر احتمل.
ومن ذلك أنّ صاحب الرياسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته فى حبّه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقّص به فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا.