فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعانى؛ وهو قول الله ﷿: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب فى معناه، وهو قولهم:
«القتل أنفى للقتل» . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه فى الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به ولإيجازه فى العبارة. فإنّ الذى هو نظير قولهم: «القتل أنفى للقتل» إنما هو: «القصاص حياة» وهذا أقلّ حروفا من ذاك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . ولفظ القرآن برىء من ذلك، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة.
ومن القصر أيضا قوله تعالى: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ
[ ١٧٥ ]
عَلى بَعْضٍ
لا يوازى هذا الكلام فى الاختصار شىء. وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
. وقوله عزّ اسمه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
وإنما كان سوء عاقبة المكر والبغى راجعا عليهم وحائقا بهم، فجعله للبغى والمكر اللّذين هما من فعلهم إيجازا واختصارا. وقوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا» .
وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
. وقوله تعالى:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
تحيّر فى فصاحته جميع البلغاء، ولا يجوز أن يوجد مثله فى كلام البشر. وقوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
وقوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
الآية.. تتضمّن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة. وقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. وروى أنّ ابن عمر ﵀ قرأها، فقال: من بقى له شىء فليطلبه. وقوله تعالى: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
اختلاف اللغات والمناظر والهيئات. وقوله تعالى فى صفة خمر أهل الجنّة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
انتظم قوله سبحانه (ولا ينزفون) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. وقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
دخل تحت الأمن جميع المحبوبات؛ لأنه نفى به أن يخافوا شيئا أصلا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجور، وغير ذلك من أصناف المكاره؛ فلا ترى كلمة أجمع من هذه.
وقوله ﷿: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
جمع أنواع التّجارات، وصنوف المرافق التى لا يبلغها العدّ والإحصاء. ومثله قوله سبحانه:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
جمع منافع الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء؛ لما فى قوله «فاصدع» من الدلالة على التأثير، كتأثير الصدع.
وقوله تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
ثلاث كلمات اشتملت على عواقب الدنيا والآخرة.
[ ١٧٦ ]
وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وإنما ذكر الساكن ولم يذكر المتحرّك؛ لأنّ سكون الأجسام الثقيلة مثل الأرض والسماء فى الهواء من غير علاقة ودعامة أعجب وأدلّ على قدرة مسكنها.
وقوله ﷿: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأنّ فى العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفى الأمر بالعرف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات، والتبرّؤ من كل قبيح؛ لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر؛ وفى الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يوتغ «١» الدين ويسقط القدرة.
وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
؛ فدلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنّار والملح والماء؛ لأنّ النار من العيدان، والملح من الماء، والشاهد على أنّه أراد ذلك كلّه قوله تعالى: مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
وقوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
، فانظر هل يمكن أحدا من أصناف المتكلمين إيراد هذه المعانى فى مثل هذا القدر من الألفاظ.
وقوله ﷿: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
جمع الأشياء كلها حتى لا يشذّ منها شىء على وجه.
وقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
جمع فيه من نعم الجنة ما لا تحصره الأفهام، ولا تبلغه الأوهام.
[ ١٧٧ ]
وقول رسول الله ﷺ: «إياكم وخضراء الدّمن» «١» . وقوله ﷺ: «حبّك الشىء يعمى ويصم» . وقوله ﷺ:
«إنّ من البيان لسحرا» . وقوله ﵊: «مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «٢» . وقوله ﷺ: «الصحة والفراغ نعمتان» . وقوله ﵊: «نيّة المؤمن خير من عمله» . وقوله ﷺ:
«ترك الشرّ صدقة» . وقوله ﷺ: «الحمى فى أصول النخل» .
فمعانى هذا الكلام أكثر من الفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحّة ذلك فحلها وابنها بناء آخر؛ فإنّك تجدها تجىء فى أضعاف هذه الألفاظ.
قوله ﷺ: «إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك» .
وقوله ﷺ: «فليبن عليك» أى فليظهر أثره عليك بالصدقة والمعروف، ودلّ على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل»، أى اكسر من مالك وأعط، واسم الشىء الرضيخة. «ولا تعجز عن نفسك» أى لا تجمع لغيرك وتبخل عن نفسك، فلا تقدّم خيرا.
وقول أعرابى: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك.
[ ١٧٨ ]
وقال آخر: أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم؛ فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد؛ أى يقون أعراضهم بأموالهم.
وقيل لأعرابى يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله فى يدى.
وقال أعرابى لرجل يمدحه: إنه ليعطى عطاء من يعلم أنّ الله مادته.
وقول آخر: أما بعد فعظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، واستحى من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك.
وقال آخر: إن شككت فاسأل قلبك عن قلبى.