منها تشبيه الشىء بالشىء صورة؛ مثل قول الله ﷿: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ «٢» الْقَدِيمِ
. أخذه ابن الرومى، فقال فى ذم الدهر «٣»:
تأتى على القمر السّارى نوائبه حتى يرى ناحلا فى شخص عزجون
وأين يقع هذا من لفظ القرآن.
ومن ذلك قول امرىء القيس «٤»:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالى «٥»
[ ٢٤٥ ]
وقوله أيضا «١»:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع «٢» الذى لم يثقّب
وقول عدى بن الرقاع «٣»:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه قلم أصاب من الدّواة مدادها «٤»
ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله ﷿: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
. وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
. وكقول حميد ابن ثور:
والليل قد ظهرت نحيزته «٥» والشمس فى صفراء كالورس
وكقول الآخر:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم وأسنّة زرق يخلن نجوما
ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس «٦»:
ومشدودة السّكّ موضونة تضاءل فى الطّىّ كالمبرد «٧»
يفيض على المرء أردانها كفيض الأتىّ على الجدجد «٨»
شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه؛ والأتى: السيل.
ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة «٩»:
تجلو بقادمتى حمامة أيكة بردا أسفّ لثاته بالإثمد
[ ٢٤٦ ]
كالأقحوان غداة غبّ سمائه جفّت أعاليه وأسفله ندى
شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء.
وكقول امرىء القيس:
جمعت ردينيّا كأنّ سنانه سنا لهب لم تتّصل بدخان
ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى «١»:
وسبيئة ممّا تعتّق بابل كدم الذّبيح سلبتها جريالها «٢»
وقول الشماخ «٣»:
إذا ما الليل كان الصبح فيه «٤» أشق كمفرق الرّأس الدّهين
وقول زهير «٥»:
وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج «٦»
وقول امرىء القيس «٧»:
وليل كموج البحر مرخ سدوله علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
وفى هذا معنى الهول أيضا.
وقول كعب بن زهير «٨»:
وليلة مشتاق كأنّ نجومها تفرّقن منها فى طيالسة خضر
وقول ذى الرمة:
وليل كجلباب العروس ادّرعته بأربعة والشّخص فى العين واحد
[ ٢٤٧ ]
وقوله أيضا «١»:
وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرى على أخريات اللّيل فتق مشهّر
كلون الحصان الأنبط «٢» البطن قائما تمايل عنه الجلّ واللّون أشقر
ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة»
:
غردا يحكّ ذراعه بذراعه قدح المكبّ على الزّناد الأجذم
وقول الأعشى:
غرّاء فرعاء «٤» مصقول عوارضها تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقول الآخر:
كأنّ مشيتها من بيت جارتها مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
وقول الآخر:
كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتها خراطيم أقلام تخطّ وتعجم
ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة «٥»:
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقوله «٦»:
فإنك كالليل الّذى هو مدركى وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وكقول الآخر:
وكالسّيف إن لا ينته لان متنه وحدّاه إن خاشنته خشنان
وقول مسلم بن الوليد:
وإنّى وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
[ ٢٤٨ ]
وقوله:
فإن أغش قوما بعده أو أزرهم فكالوحش يدنيها من الآنس المحل
وقول الآخر:
والدّهر يقرعنى طورا وأقرعه كأنه جبل يهوى إلى جبل
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل أزاله عن مقرّه النّظر
وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس «١»:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٢»
هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش «٣»:
النّشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكفّ عنم
فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد.
وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس «٤»:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سموّ حباب الماء حالا على حال
فحذف حرف التشبيه.
ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس «٥»:
[ ٢٤٩ ]
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
فشبّه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية الجودة.
ومثله قول بشار «١»:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع، والسيوف بالكواكب.
وبيت امرىء القيس أجود؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب.
ومثل قول النمرى «٢»:
ليل من النّقع لا شمس ولا قمر إلّا جبينك والمذروبة الشّرع «٣»
وقول العتابى «٤»:
مدّت سنابكها من فوق أرؤسهم ليلا كواكبه البيض المباتير «٥»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
نشرت إلىّ غدائرا من شعرها حذر الكواشح والعدوّ الموبق
فكأننى وكأنّها وكأنّه صبحان باتا تحت ليل مطبق
شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة.
وقال البحترى «٦»:
تبسّم وقطوب فى ندى ووغى كالغيث والبرق تحت العارض البرد
[ ٢٥٠ ]
وأتمّ ما فى هذا قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد: الدمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخدّ بالورد، والأنامل بالعنّاب؛ لما فيهنّ من الخضاب، والثّغر بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم.
وقول البحترى «١»:
كالسّيف فى إخذامه والعيث فى إرهامه واللّيث فى إقدامه «٢»
فشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.
وقلت فى مثله:
كالسّيف فى غمراته والبدر فى ظلماته والغيث فى أزماته
وقال البحترى «٣»:
شقائق يحملن النّدى فكأنّه دموع التّصابى فى خدود الخرائد
فشبّه شيئين بشيئين.
ومثله قول أبى نواس «٤»:
يا قمرا أبصرت فى مأتم «٥» يندب شجوا بين أتراب
يبكى فيلقى الدّرّ من نرجس ويلطم الورد بعنّاب
أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال:
يا قردة أبصرت فى مأتم تندب شجوا بتخاليط
تبكى فتلقى البعر من كوّة وتلطم الشّوك ببلوط
[ ٢٥١ ]
وشبّهت الهلال تشبيها يتضمّن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل، فقلت:
وكؤوس إذا دجا الليل دارت تحت سقف مرصّع باللّجين
وكأنّ الهلال مرآة تبر ينجلى كلّ ليلة إصبعين
ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس:
كأنّ بنى ذالان إذ جاء جمعهم فراريج يلقى بينهنّ سويق
هذا لدقّة أصواتهم وعجلة كلامهم، وقوله:
حديث بنى قرط إذا ما لقيتهم كنزو الدّبا فى العرفج المتقارب
وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغرّ:
وكأنما لطم الصّباح جبينه فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وقال آخر:
ليل يجرّ من الصّباح ذلاذلا «١»
ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز «٢»:
والصبح يتلو المشترى فكأنه عريان يمشى فى الدّجى بسراج
وقوله فى صفة فرس «٣»:
ومحجّل غير اليمين كأنّه متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال أعرابى:
بغزو كولغ الذئب غاد ورائح وسير كصدر السّيف لا يتعرّج
وقول ابن الرقاع «٤»:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
[ ٢٥٢ ]
وقول الطّرّماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسلّ ويغمد
وقول ذى الرمة فى الحرباء «١»:
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمت بها هبوات الصيف من كل جانب «٢»
كأنّ يدى حربائها متململا يدا مذنب يستغفر الله تائب
وقوله فيها «٣»:
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه وتخضرّ من حرّ الهجير غباغبه
ويسبح بالكفين حتّى كأنه أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
أخذه البحترى، فقال «٤»:
فتراه مطّردا على أعواده مثل اطّراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشمس منتصبا لها فى أخريات الجذع كالحرباء
وقال ذو الرّمّة «٥»:
يصلّى بها الحرباء للشمس مائلا على الجذل «٦» إلّا أنه لا يكبّر
إذا حوّل الظلّ العشىّ رأيته حنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر
الحرباء: دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتّنضبة «٧» فتمسك بيديها غصنين منها، وتقابل بوجهها الشمس، فكيفما دارت الشمس دارت معها، فإذا غربت الشمس نزلت فرعت والحرباء، فارسية معربة؛ وإنما هى خربا؛ أى حافظ الشمس، والشمس تسمى بالفارسية خر؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة:
[ ٢٥٣ ]
ما بالها قد حسنت ورقيبها أبدا قبيح، قبّح الرقباء
ما ذاك إلا أنها شمس الضحى أبدا يكون رقيبها الحرباء
وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب:
كم بأرض الشآم غادرت منهم غائرا موفيا على أهل نجد
يلعب الدّستبند فردا وإن كان له شاغل عن الدّستبند «١»
وقال ابن المعتز «٢»:
وقد علا فوق الهلال كرته كهامة الأسود شابت لحيته
وقال «٣»:
ورأسه كمثل فرق قد مطر وصدغه كالصّولجان المنكسر «٤»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
بيضاء تسحب من قيام فرعها وتغيب فيه وهو جثل أسحم «٥»
فكأنها فيه نهار ساطع وكأنه ليل عليها مظلم
ومن بديعه قول مسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة كأنّ دجاها من قرونك تنشر
وقول الفرزدق «٦»:
والشيب ينهض فى الشّباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
وقلت:
شمس هوت وهلال الشهر يتبعها كأنها سافر قدّام منتقب
[ ٢٥٤ ]
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع كأنها عقرب مقطوعة الذّنب
وقلت:
تلوح الثريا والظلام مقطّب فيضحك منها عن أغرّ مفلّج
تسير وراء والهلال أمامها كما أومأت كفّ إلى نصف دملج
وقال عبد الله بن المعتز:
أهلا وسهلا بالناى والعود وكأس ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد بشّر سقم الهلال بالعيد
وقال آخر:
تبدو الثريا كفاغر شره يفتح فاه لأكل عنقود «١»
قال أبو الحرث: جميز فلان كالمشجب «٢» من حيث لقيته «لا»، فقال أبو العبر:
لو كنت من شىء خلافك لم تكن لتكون إلّا يشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعة فأقدّ منها حافرا للأشهب
وقال بعض الحكماء: العقل كالسيف والنظر كالمسنّ. ونظر عبادة إلى سوداء تبكى، فقال: كأنها تنّور شنان يكف؛ فنظمته وقلت:
سوداء تذرف دمعها مثل الأتون إذا وكف
وقال ابن المعتز:
وكأنّ عقرب صدغه وقفت لما دنت من نار وجنته
وقلت:
كأنّ نهوض النجم والأفق أخضر تبلج ثغر تحت خضرة شارب
[ ٢٥٥ ]
وقال أوس بن حجر «١»:
حتى تلفّ بدوركم وقصوركم جمع كناصية الحصان الأشقر
وقلت:
بكرنا إليه والظلام كأنه غراب على عرف الصباح يرنّق «٢»
وقلت:
إذا التوى الصّدغ فوق وجنته رأيت تفاحة بها عضّه
وقلت:
والغيم يأخذه ريح فتنفشه كالقطن يندف فى زرق الدبابيج «٣»
وقلت:
وقهوة من يد المغنوج صافية كأنها عصرت من خدّ مغنوج
وقلت:
قم بنا نذعر الهموم بكأس والثريّا لمفرق الليل تاج
وقد انجرّت المجرّة فيه كسبيب «٤» يمدّه نسّاج
وقلت:
وكأنّ النجوم والليل داج نقش عاج يلوح فى سقف ساج
وقلت:
كأن السّميريّات فيه عقارب تجىء على زرق الزجاج وتذهب
وقلت:
فأذريت دمعا بالدماء مصبّغا كما يتواهى عقد عقد منسّق
وقد باشر الليل الصباح كأنه بقية كحل فى حماليق أزرق
وهذا الجنس كثير، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
[ ٢٥٦ ]