وأما الحذف فعلى وجوه، منها أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له، كقول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
، أى أهلها.
وقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
، أى حبّه.
وقوله ﷿: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
، أى وقت الحج.
وقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
، أى مكركم فيهما.
وقال المتنخل الهذلى «١»:
يمشّى بيننا حانوت خمر من الخرس الصّراصرة القطاط «٢»
يعنى صاحب حانوت فأقام الحانوت مقامه.
وقال الشاعر «٣»:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة سواسية أحرارها وعبيدها
يعنى أهل المجلس.
ومنها «٤» أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ويضمر للآخر فعله، وهو قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
معناه: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو فى مصحف عبد الله بن مسعود.
وقال الشاعر:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أى ويفقأ عينيه.
[ ١٨١ ]
وقول الآخر:
إذا ما الغانيات برزن يوما وزجّجن الحواجب والعيونا
العيون لا تزجّج، وإنما أراد وكحّلن العيون.
ومنها «١» أن يأتى الكلام على أنّ له جوابا فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب؛ كقوله ﷿: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا
أراد لكان هذا القرآن، فحذف.
وقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
، أراد لعذّبكم.
وقال الشاعر:
فأقسم لو شىء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أى لرددناه.
وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ
، فذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، وسواء يأتى من اثنين «٢» فما زاد.
وكذلك قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا
، ولم يذكر خلافه، لأنّ فى قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
دليلا على ما أراد.
وقال الشاعر:
أراد فما أدرى أهمّ هممته وذو الهمّ قدما خاشع متضائل «٣»
ولم يأت بالآخر.
وربما حذفوا الكلمة والكلمتين، كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
[ ١٨٢ ]
أَكَفَرْتُمْ
. وقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا
، أى ووصّى بالوالدين إحسانا.
وقال النمر:
فإنّ المنيّة من يخشها فسوف تصادفه أينما
أى أينما ذهب.
وقال ذو الرمة «١»:
لعرفانها والعهد ناء وقد بدا لذى نهية أن لا إلى أمّ سالم «٢»
المعنى أن لا سبيل إليها ولا إلى لقائها، فاكتفى بالإشارة إلى المعنى؛ لأنه قد عرف ما أراد، كما قال النمر بن تولب:
فلا وأبى الناس لا يعلمو ن لا الخير خير ولا الشر شر
أى ليسا بدائمين لأحد. والنهية: العقل، والجمع نهى «٣» .
وقوله تعالى: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
، أى فى يوم ذى عاصف. وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، أى ولا من فى السماء بمعجز.
ومثل قول الشنفرى «٤»:
لا تدفنونى إنّ دفنى محرّم عليكم ولكن خامرى أمّ عامر
أى ولكن دعونى للتى يقال لها: خامرى أمّ عامر إذا صيدت، يعنى الضبع.
ومنها «٥» القسم بلا جواب؛ كقوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا
،
[ ١٨٣ ]
معناه والله أعلم: ق والقرآن المجيد لتبعثنّ، والشاهد ما جاء بعده من ذكر البعث فى قوله: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا.
ومن الحذف قوله تعالى: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ
، أى كباسط كفيّه إلى الماء ليقبض عليه.
وقال الشاعر «١»:
إنى وإيّاكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله «٢»
ومن الحذف إسقاط «لا» من الكلام فى قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
، أى «لأن لا تضلّوا» . وقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
، أى لا تحبط أعمالكم.
وقال امرؤ القيس «٣»:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح قاعدا.
وقال آخر:
فلا وأبى دهمان زالت عزيزة على قومها ما فتّل الزّند قادح
ومن الحذف أن تضمر غير مذكور، كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
يعنى الشمس بدأت فى المغيب. وقوله تعالى: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
يعنى على ظهر الأرض. وقوله تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا
، أى بالوادى. وقوله تعالى:
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
، يعنى الدنيا أو الأرض. وَلا يَخافُ عُقْباها
، يعنى عقبى هذه الفعلة.
[ ١٨٤ ]
وقول لبيد «١»:
حتى إذا ألقت يدا فى كافر وأجنّ عورات الثّغور ظلامها «٢»
يعنى الشمس تبدأ «٣» فى المغيب.
وضرب منه آخر قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
، أى من قومه.
وقال العجاج:
تحت الذى اختار له الله الشّجر
أى من الشجر.
وضرب منه ما قال تعالى فى أول سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وذكر قبل ذلك الإنسان، ولم يذكر الجانّ ثم ذكره.
ومثله قول المثقب «٤»:
فما أدرى إذا يمّمت أرضا أريد الخير أيّهما يلينى
أالخير الذى أنا أبتغييه أم الشر الذى هو يبتغينى
فكنى عن الشر قبل ذكره، ثم ذكره.
ومن الحذف قوله تعالى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
، أراد يشترون الضلالة بالهدى. وقوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
، أى أبقينا
[ ١٨٥ ]
له ذكرا حسنا فى الباقين فحذف الذكر. ومن ذلك قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
، أى يبحث التّراب على غراب آخر ليواريه؛ فيرى هو كيف يوارى سوأة أخيه. وقوله تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ
؛ أى فى مرضاتهم.
ومن الحذف قول صعصعة وقد سئل عن علىّ بن أبى طالب ﵁، فقال: لم يقل فيه مستزيد: لو أنه، ولا مستقصر: إنه؛ جمع الحلم، والعلم، والسلم، والقرابة القريبة، والهجرة القديمة، والبصر بالأحكام، والبلاء العظيم فى الإسلام.
وقال على ﵁: سبق رسول الله ﷺ، وصلّى «١» أبو بكر، وثلث عمر، وخبطتنا فتنة فما شاء الله.
وقال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك، حتى إذا جنّنى الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عاذر؛ وإذا بلغتك فقط.
فقوله: «فقط» من أحسن حذف وأجود إشارة.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن الزغل العبشمى، قال: حدّثنا المبرد أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالدا، فقال: يا أخى؛ لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك. فقال خالد: بئس والله ما هممت به فى ابن أمير المؤمنين، وولىّ عهد المسلمين! فقال: إنّ خبلى مرّت به فعبث بها وأصغرنى فيها.
فقال: أنا أكفيك؛ فدخل على عبد الملك؛ فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ الوليد
[ ١٨٦ ]
ابن أمير المؤمنين مرّت به خيل ابن عمّه عبد الله بن يزيد؛ فعبث بها وأصغره «١» فيها.
وعبد الملك مطرق، ثم رفع رأسه وقال: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
. فقال خالد: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا
. فقال عبد الملك: أفى عبد الله تكلّمنى؛ لقد دخل علىّ فما أقام لسانه لحنا؟ فقال خالد: أفعلى الوليد تعوّل؟ فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان. فقال خالد: إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد «٢» . فقال له الوليد: اسكت، فو الله ما تعدّ فى العير ولا فى النّفير «٣» . فقال: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه، فقال: ويحك فمن للعير والنّفير غيرى؟ جدّى أبو سفيان صاحب العير، وجدّى عتبة بن ربيعة صاحب النّفير «٤»؛ ولكن لو قلت: غنيمات وحبيلات والطّائف ورحم الله عثمان قلنا صدقت.
وذلك أنّ النبى ﷺ طرد الحكم بن أبى العاص «٥» فصار إلى الطائف يرعى غنيمه ويأوى إلى حبلة- وهى الكرمة- ورحم الله عثمان، أى لردّه إياه «٦» . فهذا حذف بديع.
وكذلك قول عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإنّ أخاه سليمان. وقول خالد:
إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، حذف حسن أيضا. ومثل هذا كثير فى كلامهم، ولا وجه لاستيعابه.
[ ١٨٧ ]
ومن الحذف الردىء قول الحارث بن حلزة «١»:
والعيش خير فى ظلا ل النوك ممّن عاش كدّا «٢»
وإنما أراد: والعيش الناعم خير فى ظلال النوك من العيش الشاقّ فى ظلال العقل، وليس يدلّ لحن كلامه على هذا، فهو من الإيجاز المقصر.
ومن الحذف الردىء أيضا قول الآخر «٣»:
أعاذل عاجل ما أشتهى أحبّ من الأكثر الرائث «٤»
يعنى عاجل ما أشتهى مع القلّة أحبّ إلىّ من رائثه مع الكثرة.
ومثله قول عروة بن الورد «٥»:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
يعنى إذ يقتلون نفوسهم فى السلم.
ومثله من نثر الكتّاب ما كتب بعضهم: فإنّ المعروف إذا زجا «٦» كان أفضل منه إذا توافر وأبطأ. وتمام المعنى أن يقول: «إذا قل وزجا» . فترك ما به يتمّ المعنى؛ وهو ذكر القلّة.
وكتب بعضهم: فما زال حتى أتلف ماله، وأهلك رجاله؛ وقد كان ذلك فى الجهاد والإبلاء أحقّ بأهل الحزم وأولى. والوجه أن يقول: فإن إهلاك المال والرجال فى الجهاد والإبلاء أفضل من فعل ذلك فى الموادعة.
ومثل هذا مقصّر غير بالغ مبلغ ما تقدم فى هذا الباب من الحذف الجيّد.
[ ١٨٨ ]
وأقبح من هذا كله قول الآخر «١»:
لا يرمضون إذا جرّت مشافرهم ولا ترى مثلهم فى الطّعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهم ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا
أراد: «ولا يفشلون» فتركه؛ فصار المعنى كأنّه ذمّ.
وقول المخبل فى الزّبرقان:
وأبوك بدر كان ينتهس الحصى وأبى الجواد ربيعة بن قبال «٢»
فقال الزبرقان: لا بأس؛ شيخان اشتركا فى صنعة.
[ ١٨٩ ]