قال النبي ﷺ: «[ما] قرعت عصًا على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون».
قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه (^٢): «والله لأعصبنكم عصب السلمة، وألحونكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق،
_________________
(١) الزيغ: الميل عن الحق، في الأصل: «عند ربعه»، صوابه من خ.
(٢) جمع أسامة هنا بين نصين لخطبتين من خطب الحجاج، أولاهما في البيان ٢: ١٣٨ والعقد ٤: ١١٥ وابن أبي الحديد ١: ١١٤ والطبري ٧: ٢١٢. إعجاز القرآن ١٢٤. والأخرى في البيان ٢: ٣٠٧ والكامل ٢١٥ ليبسك والعقد ٤: ١١٩ وصبح الأعشى ١: ٢١٨ وعيون الأخبار ٢: ٢٤٣ وابن الأثير ٤: ١٥٦.
[ ١٨٦ ]
يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق. إني والله سمعت لكم تكبيرًا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب.
يا عبيد العصا وأشباه الإماء (^١)، إنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن برّاقة الهمداني (^٢):
وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم … فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم (^٣)
متى تجمع القلبَ الذكيَّ وصارمًا … وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالم
والله لا تقرع عصًا على عصا إلا جعلتها (^٤) كأمس الدابر.
وقال وعلة بن الحارث بن ربيعة (^٥):
وزعمتَ أنَّا لا حلومَ لنا … إن العصا قرعت لذي الحلم (^٦)
أقتلتَ سادتنا بغير دمٍ … إلا لتوهنَ آمن العصم (^٧)
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
وقد قرع الواشون فيها لك العصا … وإن العصا كانت لذي الحلم تقرعُ
ذو الحلم: عامر بن الظرب العدواني (^٨)، وكان حكمًا للعرب يرجع إلى حكمه ورأيه، فكبر وأفناه الكبر والدهر وتغيرت أحواله، فأنكر عليه الثاني من ولده أمرًا من حكمه فقال له: إنك ربما أخطأت في الحكم ويحمل عنك.
فقال: اجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا أخطأت وقرعت لي العصا رجعت إلى الحكم.
فكان يجلس أمام بيته يحكم ويجلس ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زلّ وهفا
_________________
(١) في البيان: «وأولاد الإماء».
(٢) هو عمرو بن براقة، أو ابن براق، كما ذكر صاحب الأغانى ٢١: ١١٣ وهو أحد عدائى العرب، ذكره تأبط شرا في قصيدته الأولى من المفضليات: ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم … بالعيكتين لدى معدى ابن براق
(٣) هذا ما في خ والبيان، وفي الأصل: «ياهل».
(٤) في الأصل: «جعلها» صوابه في خ.
(٥) كذا في النسختين، والصواب: «الحارث بن وعلة» كما في البيان ٣: ٣٨ والحماسة ١: ٦٤.
(٦) في البيان والحماسة: «وزعمتم ألا حلوم لنا».
(٧) العصم: جمع أعصم وعصماء، وهو الوعل بإحدى يديه بياض.
(٨) انظر للخلاف في «ذي الحلم» أمثال الميداني في (إن العصا قرعت لذي الحلم» والمعمرين للسجستاني ٤٥.
[ ١٨٧ ]
قرع له الجفنة بالعصا. وإياه عني المتلمس بقوله:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علِّم الإنسانُ إلا ليعلما
(صلب العصا) يقال فلان صلب العصا، إذا كان جلدًا قويا على السفر والسير. قال الراعي يصف راعيًا:
صلب العصا بضربهِ دمّاها (^١) … إذا أراد رشدًا أغواها (^٢)
قوله بضربه أي بسيره. قال الله ﵎: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ»:
سافرتم. وقوله «دمّاها» أي تركها كالدمى، واحدتها دمية، وهي الصور [في] المحاريب. وقوله «أغواها» أي رعاها الغواء (^٣)، وهو نبت تسمن عليه ا [لإبل].
وقال [أبو (^٤)] المجشر الضبي:
فإن تكُ مدلولًا علي فإنني … كريمك لا غمرٌ ولا أنا فانِ (^٥)
وقد عجمتني العاجماتُ فأسارت … صليب العصا جلدا على الحدثان (^٦)
صبورا على عضِّ الخطوب وضرسها … إذا قلَّصتْ عن الفم الشفتان (^٧)
_________________
(١) في اللسان (دمى): «برعيه دماها».
(٢) الرشد، هنا: حب الرشاد. انظر كتاب الإنصاف والتحري في تعريف القدماء بأبى العلاء ٥٦٤.
(٣) لم أجد من ذكر هذا النبات. وفي خ: «الغوى» ولم أجده كذلك.
(٤) هذه التكملة من حماسة ابن الشجري ٦٠ واللسان (أبى). وذكر كلاهما أنه شاعر جاهلي.
(٥) رواه في اللسان (دلل). وفي الأصل: «فإن يك» تحريف. يقال: ما دلك على، أي ما جرأك على. كريمك، هي في اللسان: «لعهدك»، ولعل هذه «كعهدك». الغمر، بتثليث الغين: الذي لا تجربة له. وفي الأصل وخ: «غم»، وصوابه من اللسان. والفاني: الشيخ الكبير.
(٦) عجمته العاجمات: خبرته. وفي حماسة ابن الشجري: «لقد عجمتنى النائبات»، أسأرت: أبقت.
(٧) الضرس: العض بالأضراس، ومثله التضريس. قال الأخطل: كلمح أيدي مثاكيل مسلبة … يندبن ضرس بنات الدهر والخطب
[ ١٨٨ ]
(انشقت العصا) العرب تقول: فلان يشق العصا، إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة مخالفًا لأمر الآمرين. ويستعمل شق العصا فيمن يتفرق عنه أحبابه، ويظعن عنه أصحابه فيظهر مكنون سره، ويبوح مخفي أمره (^١)، لضرورة البين الداعية إلى ذلك.
قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في كتابه المسمى بالقائف (^٢):
«مر ركب بشجرة مورية (^٣)، فاقتضب إنسان منهم عصا ثم شقها، ثم جعل يقتدح قريبًا من الشجرة فأورى الزند فقالت الشجرة: يا هذا ما أسرع ما ظهر سرك، وسوف ترغب الركب في اتخاذ زناد مني، فأحور عيدانًا في أيدي القوم. فقال: لا تلمني، المغرورة، أظهرت سري ضرورة».
وقال قيس بن ذريح:
إلى الله أشكو نيةً شقّت العصا … هي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميعُ (^٤)
مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وأول هذه القصيدة:
سقى طللَ الدارِ الذي أنتم بها … حناتم وبل صيّف وربيع (^٥)
_________________
(١) - وقال زهير: ومن لم يصانع في أمور كثيرة … يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم وفي الأصل: «وصربها»، صوابه في حماسة ابن الشجري. وروى بعده في الحماسة: وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي … وفقأت عين الأشوس الأبيان
(٢) باح الشئ يبوح: ظهر. والمخفى، المستور المكتوم، يقال خفيته وأخفيته.
(٣) ذكره أبو العلاء في تصانيفه التي ألفها، وقال: «كتاب القائف على معنى كليلة ودمنة ألفت منه أربعة أجزاء ثم انقطع تأليفه بموت من أمر بعمله، وهو عزيز الدولة». انظر تعريف القدماء بأبى العلاء.
(٤) مورية: تورى النار، أي تخرجها. وفي الأصل: «موزية».
(٥) قصيدة هذه الأبيات تختلط أبياتها بشعر المجنون اختلاطا، وتروى حينا للمجنون، وحينا القيس. القالى ١: ١٣٦ - ١٣٧ والحيوان ٥: ١٩٣ - ١٩٤ وعيون الأخبار ١: ٢٦١ والأغانى ٨: ١٢٦ وحماسة ابن الشجري ١٥٧ - ١٥٨.
(٦) الحناتم: سحائب سود، الواحدة ختمة. الصيف: المطر الذي يجيء في الصيف. والربيع: أول مطر يقع بالأرض أيام الخريف، كما في اللسان.
[ ١٨٩ ]
قال المؤلف أطال الله علاه: وقد صرعت هذه الأبيات جميعًا وأثبتها في ديوان شعري، وأنا ذاكر تصريع هذين البيتين لما فيهما من ذكر العصا.
قال غفر الله له:
أيرجو لي اللاحي من الحبِّ مخلصا (^١) … وقلبي إذا ما رضته بالأسى عصا
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى … إلى الله أشكو نيةً شقّت العصا
هي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميع
أطاعت بنا لبنى افتراءَ التكذّب … وصدّ التجنّى غير صدّ التجنّب (^٢)
فيا لك من دهرٍ كثيرِ التقلب … مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي
فهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وقال المؤلف أطال الله بقاءه أيضًا أبياتًا في ذكر العصا، وهي:
رمتنا الليالي بافتراقٍ مشتِّتٍ … أشتَّ وأنأى من فراق المحصَّبِ (^٣)
تخالفت الأهواءُ وانشقَّت العصا … وشعَّبنا وشكُ النوى كلَّ مشعب (^٤)
وقد نثر التوديعُ من كلِّ مقلةٍ … على كل خدٍّ لؤلؤًا لم يثقّبِ
المصراع الثاني من البيت الأول من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي واسمه حندج (^٥)، والحندجة: الرملة الصغيرة (^٦). وأول القصيدة:
_________________
(١) في الأصل: «من الذنب»، والوجه ما أثبت من الديوان ٣٦٤.
(٢) في الديوان: «غير صد التعتب».
(٣) ديوان أسامة ٦٠ ومسالك الأبصار ج ١٠ ص ٥٠ مصورة دار الكتب المصرية. المحصب: موضع رمى الجمار بمنى.
(٤) في الديوان والمسالك: «وشعبهم».
(٥) عرف امرؤ القيس بلقبه هذا: امرؤ القيس. واسمه جندح بن حجر بن عمرو ابن الحارث. ويكنى أبا وهب وأبا الحارث، ويلقب أيضا بذى القروح. والقيس في اللغة: الشدة وقيل هو اسم صنم، قالوا: ولهذا كان يكره الأصمعي أن تروى: • يا امرأ القيس فانزل … وكان يرويه: «يا امرأ اللّه». شرح أبى بكر لديوان امرئ القيس.
(٦) وقيل الرملة العظيمة؛ وقيل رملة طيبة تنبت ألوانا من النبات.
[ ١٩٠ ]
خليلي مرَّا بي على أمّ جندبِ … نقضِّ لباناتِ الفؤادِ المعذَّب
ومنها البيت:
فلله عينا من رأى من تفرقٍ … أشتَّ وأنأى من فراق المحصَّب (^١)
وقال أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي، من جملة قصيدة له:
ما قصرت يدُ الزَّمان شدَّ ما … تطول في نقصي وفي نقضِ مرر (^٢)
عصًا شظايا ومشيب رائعٌ … ومنزل ناءٍ وأحباب غدر (^٣)
وصاحبٌ كالداء إن أخفيته … غوّر وهو قاتل إذا استتر (^٤)
وقال المؤلف أطال الله بقاءه:
زدني جوىً يا حبَّهم وأضلَّني … يا مرشدي عن منهج السُّلوانِ
لا تنهني عنهم فإنَّ صبابتي … لا تستطيع تطيع من ينهاني (^٥)
أحببتهم أزمانَ غصني ناضرٌ … حتَّى عسا وعصى بنانَ الحاني (^٦)
فارجع بيأسك لستَ أول آمرٍ … شقَّ الغرامُ عصاه بالعصيان (^٧)
_________________
(١) في شرح الديوان: «المحصب من فارقه لا يرجع إليه. وقال ابن السيرافى: المحصب: الموضع الذي يرمى فيه بحصى الجمار، ثم كانت تجتمع العرب من الأماكن المختلفة فيرى وينظر الرجل إلى وجوه النساء فربما هوى الرجل منهم بعض من هوى من النساء، فإذا تم حجهم مضوا في طرق شتى».
(٢) ديوان مهيار ١: ٤١٣ من قصيدة كتب بها إلى أبى القاسم هبة اللّه بن علي بن ماكولا وفي الديوان: «يا قصرت» فيكون هذا دعاء عليها. وفي الديوان أيضا: «في ثلمى». والمرر: جمع مرة، وهي الطاقة من طاقات الحبل، كناية عن الشدة. وأراد نقض مررى. فحذف ياء المتكلم. وفي الديوان: «المرر».
(٣) رائع، هي في الأصل «زائع» صوابه في خ. وفي الديوان: «ومشيب عنت».
(٤) غور، من قولهم غور الماء في الأرض: ذهب فيها وسفل. وفي الديوان: «عور» بالمهملة. وفي الأصل: «وهو قائل»، صوابه من خ والديوان.
(٥) كذا في في خ وديوان أسامة ٥٤. وفي الأصل: «لا تنه عنهم»، تحريف.
(٦) البنان: الأصابع، أو أطرافها. والحانى: الذي يحاول أن يحنيه ويلويه.
(٧) في الأصل: «أول امرئ»، تحريف صوابه في خ.
[ ١٩١ ]
وقال أيضًا:
كم ذا التجني وكثرةُ العلل … لا تأمنوا من حوادث المللِ
ولا تقولوا صبٌّ بنا كلفٌ … فأوّلُ اليأس آخر الأملِ
ولستُ ممن يريد شقَّ عصًا … الذَّنبِ ذنبي والحب شفِّع لي (^١)
هبوني أخطأت عامدًا فهبوا … خجلةَ عذري ما كان من زللي (^٢)
وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
إذا ما لم تكنْ إبلٌ فمعزي … كأنَّ قرون جلتها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنًا … وحسبك من غنًى شبعٌ وريُّ
أي كفاك. وكذلك حسبك الله، أي كفاك.
العرب تقول: «طارت عصا بني فلان شفقا». وقال الأسدي:
عصيُّ الشملِ من أسدٍ أراها … قد انصدعت كما انصدع الزُّجاجُ
ويقال: «فلان شقَّ عصا المسلمين»، ولا يقال شق ثوبًا ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق (^٣).
(ألقى العصا) يقال ألقى عصا التسيار، إذا أقام وترك السفر. وكأن العرب عنت بقولها «ألقى عصاه» أي وصل إلى بغيته ومراده، أو وطنه ومراده، وراحته، ومظنة استراحته. قال الأصمعي - واسمه عبد الملك بن قريب - قصيدة مدح بها جعفر بن يحيى البرمكي ورحل إليه فمات قبل أن يصل إليه، وذكر فيها العصا، وهي قصيدة طولى أنا مورد منها نبذة لأجل العصا، وهي:
فخطَّت إليها مناقيلها … وألقت عصا السّفر السّفر (^٤)
_________________
(١) في الديوان ٤٠: «يشفع لي».
(٢) في الأصل: «حجلة عذرى»، صوابه من الديوان.
(٣) الكلام من «العرب تقول» إلى هنا، مقتبس من البيان والتبين ٣: ٣٩ - ٤٠.
(٤) المناقيل: جمع منقل بفتح الميم وكسرها، وهو الخف، وزيادة الياء في مثل هذا الجمع جائز عند الكوفيين اطرادا. والسفر هنا: جمع سافر، وهو الذي خرج إلى السفر، مثل راكع وركع. ومع قياسيته لم أجده في المعاجم. وفي الأصل: «المسفر»، وأثبت ما في خ.
[ ١٩٢ ]
وقال راشد بن عبد الله (^١):
وخبَّرها الرُّوَّادُ أن ليس بينها … وبين قرى نجران والدرب كافر (^٢)
فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ (^٣)
وقال آخر (^٤):
فألقت عصا التَّسيار عنها وخيَّمتْ … بأجباءِ عذبِ الماء بيضٍ محافره (^٥)
الجبا: ما حول البئر، مفتوح الجيم مقصور، وجمعه أجباء ممدود. وقوله «بيض محافره» يريد أنه [لم] (^٦) يحفر في أرض سوداء، ولا من دمن، بل هي أرض صلبة.
وقوله: «خيمت»، أي اتخذت [خيمة] (^٧) فأقامت.
روي أن قتيبة بن مسلم (^٨) لما تسنم منبر خراسان سقط القضيب من يده فتطير له صديقه، وتشاءم (^٩) عدوه، فعرف ذلك قتيبة، فحمد الله تعالى عليه ثم قال:
ليس كما سر العدو وساء الصديق، بل كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوى … كما قر عينًا بالإياب المسافرُ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: قال جدى الأمير سديد الملك والمناقب أبو الحسن
_________________
(١) كذا. وفي البيان ٣: ٤٠ نسبة البيت الثاني إلى مضرس الأسدي، وفي اللسان (عصا) نسبته إلى عبد ربه السلمى، أو سليم بن ثمامة الحنفي، أو معقر بن حمار البارقي. ونسب البيت الثاني في المؤتلف للآمدى ٩٢ إلى معقر بن حمار.
(٢) الكافر، هنا: المطر، كما في اللسان (كفر، عصا) عند إنشاد البيت.
(٣) النوى: الوجه الذي ينويه المسافر، وهي مؤنثة. وكذا ورد البيت في البيان والمخصص ١٢: ٦١/ ١٥: ١٧٢/ ١٦: ١١. وفي اللسان (عصا): «واستقر». وترك تأنيث الفعل في مثل هذا جائز. وفي اللسان (نوى): «واستقر» أيضا، وهذا لا يتفق مع الغرض الذي سبق له الاستشهاد.
(٤) هو مضرس الأسدي، كما في البيان ٣: ٤٠.
(٥) في البيان: «بأرجاء».
(٦) كلمة «لم» من خ.
(٧) التكملة من خ.
(٨) الخبر في عيون الأخبار ٢: ٢٥٩ ومحاضرات الراغب ١: ٧٠.
(٩) خ: «تشأم»، وكلاهما صحيح، من التشاؤم.
[ ١٩٣ ]
علي بن مقلد ﵀، يخاطب بعض ولاة حلب:
خيّمت في حلب العواصم بعد ما … قلّدتَ خوفك نازحَ الأقطارِ
لا ترضها دار الثَّواء ولا تقلْ … في مثلها تلقى عصا التَّسيارِ
استحي من أجداث قومك أن ترى … عرض البسيطة وهي دارُ قرارِ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: حدثني من أثق به في شوال سنة سبع وستين (^١) وخمسمائة بحصن كيفا (^٢) قال: كان في خدمة الأمير نجم الدولة مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر (^٣) رجل عواد يقال له أبو الفرج حدثني قال: كنت يومًا في مجلس الأمير نجم الدولة وهو يشرب إلى [أن (^٤)] سكر، وانصرفت إلى منزلي، فما كان أكثر من مضي ساعتين من الليل إذ وافاني رسوله فقال: الأمير يستدعيك.
فقلت: ما نزلت حتى سكر! قال: هو أمرني بإحضارك. فمضيت معه فرأيت الأمير جالسا، فقال: يا أبا الفرج، بعد انصرافكم نمت فرأيت إنسانًا يغنيني صوتًا حفظته ثم أنسيته، وأريد أن تذكره لي. فقلت: يا مولاي، اذكر لي منه كلمة. فقال: ما أذكر منه شيئًا ولكن اعرض علي ما يحضرك. فعرضت عليه أصواتًا كثيرة وهو يقول: ما هذا الصوت الذي أربته (^٥)! ثم قال: انصرف وأفكر لعلك تذكره. فانصرفت وأصبحت من بكرة طلعت إلى خدمته فقال:
يا أبا الفرج، أي شيء كان من الصوت؟ قلت: يا مولاي، لا يعلم الغيب إلا الله ﷾. قال: والله لئن لم تذكره لأخرجنك من القلعة. فقلت:
والله يا مولاي ما أدري، ما أذكر (^٦) من صوت ما سمعته ولا ذكرت لي منه كلمة واحدة؟! فقال خذوه وأخرجوه. فأخرجوني إلى «البليل (^٧)» فأقمت فيه يوما
_________________
(١) هذا ما في خ. وفي الأصل: «تسع وستين».
(٢) مدينة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر.
(٣) قلعة جعبر، على الفرات مقابل صفين التي كانت بها الوقعة. وكانت تعرف أولا بدوسر، فتملكها رجل من بنى نمير يقال له جعبر بن مالك، فغلب عليها فسميت به.
(٤) التكملة في خ.
(٥) هذا ما في خ. وفي الأصل: «رأيته».
(٦) في الأصل: ما أذكره»، صوابه في خ.
(٧) في الأصل: «البلبل» صوابه في خ. وفي القاموس أن البليل كزبير شريعة صفين.
[ ١٩٤ ]
ثمّ ردّنى وعدت في الخدمة كما كنت. فأنا يومًا في المجلس أغني إذ قال لي بعض الفراشين: على الباب رجل يطلبك. فخرجت إليه فرأيت رجلًا عليه عمامة مطلسة كعمائم المغاربة، فسلم علي وقال: قد قصدتك لتتوصل لي في الحضور بمجلس الأمير فأنا رجل مغن. فدخلت وأعلمته به فقلت: يا مولاي، إن كان مجيدًا سمعته واستخدمته، وإلا وهبته شيئًا وانصرف. فأذن له فدخل فسلم وجلس فشد عوده وغنى:
وخبرها الرواد أن ليس بينها … وبين قرى نجران والدرب كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرَّ عيناَ بالإياب المسافر
فقال الأمير: لا إله إلا الله، هذا والله الصوت الذي رأيته في منامي وطلبته منك. فعجبت أنا ومن حضر لهذا الاتفاق
(عصا الأعرج). وقال المؤلف أطال الله بقاءه في أعرج بيتين على سبيل الرياضة ذكرهما وإن لم يكن فيها ذكر العصا:
عابوا هوى شادنٍ في رجله قصرٌ … من سكر ألحاظه في مشيه ثملُ (^١)
وما هوى خوط بانٍ ماسَ من هيفٍ … عيبٌ، وإنْ كان عيبًا فهو محتمل