على أن الذي يعنينا الآن من مؤلفات أسامة هو كتاب العصا. وليس هذا العنوان من ابتداع أسامة، فإنه يذكر لنا في مقدمة كتابه هذا، الباعث له على هذا التأليف، وهو قصة قصها عليه والده جاء فيها على لسان أبى يوسف القزويني مخاطبا أبا الحسن بن بوين حين أمسك من كتبه كتابا يسمى «العصا» لمؤلف ضاع اسمه. «ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها». قال أسامة (^٢): «ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه. وكلما تعذر وجوده ازددت حرصًا على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا، ولا أدرى أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره … ولا أرتاب أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تنميقه وتأليفه، وأنا فاتنى مطلوب ففزعت إلى تجويزه وتلفيقه». ويدور في خلدى أن ذلك الكتاب الذي ظل أسامة يبحث عنه دهرا إنما هو «كتاب العصا» للجاحظ، وهو من مشتملات كتاب البيان والتبيين وأن أسامة إنما التبس عليه الأمر فظن ذلك الكتاب الذي دار حوله الحديث كتابا مستقلا لمؤلف آخر غير الجاحظ، على حين عرف هو كتاب العصا للجاحظ، وقرأه واقتبس منه كثيرا في كتابه هذا.
وهذا الكتاب الذي ضمنه الجاحظ الجزء الثالث من البيان والتبيين إنما كان محوره مزاعم الشعوبية الذين ذكروا في مثالب العرب أنهم يعتمدون في خطبهم على العصا ويتكئون على القوس، «وليس بين الكلام والعصا سبب»
_________________
(١) لباب الآداب ٣٧٧.
(٢) في مقدمته لكتاب العصا.
[ ١٧٨ ]
ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ … وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل أهل البدر، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل، وبه أشبه (^١)».
وقد انبرى الجاحظ لهم في إسهاب جميل معلنا مزية العصا ومحاسنها، فهو يسوق الأخبار والأشعار، ويزجى الأمثال واللغات، والبراهين والحجج على عظم شأن العصا وكريم فضلها، وشدة الحاجة إليها، وقيامها مقام سائر السلاح في القتال.
وقد نهج أسامة في صدر كتابه هذا منهجا مقاربا لمنهج الجاحظ، ولكن تآليف أسامة تأبى إلا أن تحمل طابع تأليفه، وهو العناية الظاهرة بسرد ما يعرض له في حياته من أحداث وما يتلقفه من أخبار، ولا سيما أخبار الصالحين والزهاد (^٢)، وكذا أخبار الإفرنج وإبداء رأيه في أخلاقهم وسياستهم.
وهو لا ينسى أن يوشع تأليفه هذا بعرض طائفة من أشعاره. كما صنع في كتابه الاعتبار، وكتاب لباب الآداب.
ومما هو بالذكر جدير أن كتاب العصا قد أدى إلينا من شعر أسامة ثروة لا يستهان بها، وهي تسعون بيتا زائدا على شعر ديوانه الذي سبقت الإشارة إليه، كما أدى إلينا نصا نادرا لأبى العلاء المعرى، هو نموذج من كتاب (القائف) الذي طوته أحداث الزمان.