قلت في مدحه:
قل لامّ العلى ولدت كريمًا رقَّ خلقًا وراق خلقًا وسيما
بدر مجد مدحته فكأنّي من مساعيه قدنظمت نجوما
ملك تلمح النواظر منه ملكا في سما المعالي كريما
مجده في ارتفاعه ثامن الأف لاك من فوقها أطلَّ قديما
وإذا ما رأيت دار أبي الهادي ومعروفها رأيت نعيما
إن رحلت ارتحل لربع نداه وأقم فيه إن ترد أن تقيما
فهو الجنّة التي استعذب النا س جميعًا رحيقها المختوما
سبر الدهر بالتجارب حتّى بالنهى والفخار صار زعيما
واستهلّت كلتا يديه إلى أن لم يدع في بني الزمان عديما
فبه ينزل الرجا وإليه كلّ ركب سرى ينصُّ الرسيما
هو من أيكة على أوّل الدهر زكت في ثرى المعالي أروما
أثمرت سؤددًا وفخرًا وعزًّا ونمتها غطارفًا وقروما
وقد اشتمل قولي:
وإذا ما رأيت ثمّ مغانيه ومعروفها رأيت نعيما
على الإقتباس وهو على رأي بعضهم لا يكون إلاّ من الكتاب، وعلى رأي الآخرين أنّه لا يكون إلاّ من القرآن أو من الحديث. قال من لا يرى الإقتباس إلاّ من القرآن هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو آية من الكتاب العزيز خاصّة، وهو على ثلاثة أقسام: محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول؛ فالأوّل ما كان في الخطب والعهود في مدح النبي ﵌، والثاني: ما كان في الغزل والصفات والرسائل ونحوها، والثاث على ضربين: أحدهما تضمين ما نسبه الله عزّوجلّ إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنّه وقّع على مطالبة فيها شكاية من عمّاله: (إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل وسخف، كقول بعضهم:
قالت وقد أعرضت عن غشيانها يا جاهلًا في حمقه يتباها
إن كان لا يرضيك قبلي قبلةً لأولينّك قبلةً ترضاها
والأحسن في الإقتباس من القرآن نقله عن معناه كما قال ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع
فقوله: بواد غير ذي زرع معناه في القرآن واد لا ماء فيه، ونقله إلى جناب لا خير فيه ولا نفع. ومثله قول الخبّاز البلدي:
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم أفاعي رمال لا تقصّر في اللسع
ظننت بهم خيرًا فلمّا بلوتهم نزلت بواد منهم غير ذي زرع
وقال آخر في هجاء بعضهم:
جميع ما يفعله كلفة إلاّ أذاه فهو بالطبع
من حلَّ منّا بفناء له حلّ بواد غير ذي زرع
وقال الأخوص في الإقتباس:
إذا رمت عنها سلوةً قال شافع من الحب ميعاد السلوّ المقابر
[ ١٨٦ ]
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ودٍّ يوم تبلى السرائر
وقال الأبيوردي في هجاء بعضهم:
وقصائد مثل الرياض أضعتها في باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا الممدوح قالوا ساحرٌ كذّاب
وقال القاضي المنصور الهروي:
ومنثقب بالورد قبّلت خدّه وما لفؤآدي من هواه خلاص
فأعرض عنّي مغضبًا قلت لا تجر وقبّل فمي إنّ الجروح قصاص
وقول أبي منصور عبد الله بن سعيد:
حلّة الغانيات حلّة سوء فاتّقوا الله يا أولى الألباب
وإذا ما سئلتموهنّ شيئًا فاسئلوهنّ من وراء حجاب
وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء كان ينشد بعض الأُمراء وبينهما الحجاب، فلمّا بلغ قوله:
أُنظرونا نقتبس من نوركم إنّه من نور ربّ العالمين
أمر برفع الحجاب حتّى أتمّ إنشاده ثمّ أجازه.
والغاية في القبح قول بعضهم:
أقبل والعشّاق من خلفه كأنّهم من حدب ينسلون
تقول عيناه لعشّاقه هيهات هيهات لما توعدون
وردفه يقرؤ من خلفه لمثل ذا فليعمل العاملون
وقال بعضهم في الإقتباس من الحديث:
قال لي إنّ رقيبي سيّىء الخلق فداره
قلت دعني وجهك الجنّة حفّت بالمكاره
ولعمّنا المهدي هذه القصيدة في مدح ديمة المنايح الماجد محمّد الصالح وذلك أنّا حللنا في ربعه فأنشدت وكان ابتداؤها موافقًا للحال التي ذكرها:
قد حملتك النجائب الرسم لمن على الكرخ بيتهم علم
قد كنت تهوى لقاء من سكنوا فيه ويهوون ملتقاك هم
فقر عينًا فيه برؤيتهم ففيك قرّت فيه عيونهم
وانظر إلى ما سمعت عنه تجد ما يقصرون دون وصفه الكلم
بيت جميع الدنيا بساحته وتحت أبراد ربّه الأُمم
من احترام الورى لساحته تخال في الكرخ أودع الحرم
على التقى أُسّست قواعده وكلّ أيّام دهره حُرم
كأنّ على الأرض ساحة قمر بها على الخلق تكشف الظلم
تحسبها المدلجون إن سطعت نار قراها في الليل تضطرم
فيه أُناس تخال أنّهم الأملاك من كلّ مأثم عصموا
شعارها الصمت وهي إن نطقت تفجّرت من كلامها الحكم
تبيت تبكي من خشية الواحد الفر د وتضحي للوفد تبتسم
تحنوا على الأبعدين مشفقة حنّو من فيه أطت الرحم
في الله تمسي خمص الحشا وعلى بذل قراها الأنام تزدحم
يسأم أرفادها الوفود ولا في بذله يعتريهم سأم
للشرف الباذخ الرفيع سمت من قبل أن يفطموا بها الهمم
لو قيل للمجد من هم سمكوا وانبعثت من أكفّها الديم
تعتمُّ حين الرضاع سؤددها وترتدي الفخر حين تنفطم
أوّل ما ينطقن رضيعهم حيّ على الجود أيّها الأُمم
أو قد أطاق القيام تسرع لل علياء فيه بخطوها القدم
أو سابقته لها الكرام ولو مشى الهوينا بفوت طرفهم
أماجد زيّنت سماء على ال مجد بشهب منها كهولهم
عقد طلاها هم وواسطة العقد على نحرها زعيمهم
تشمُّ من عطفه عبير شذا فخار آبائهم ومجدهم
قوم على الأرض غيث نائلهم قبل نزول السحاب منسجم
صفوة بيت العلى وطينته قد عركتها قدمًا أكفّهم
من قبل أن تنصب الجبال على الأرض عماد العلياء قد دعموا
دلّ على طيب أصله شرف تورّثته منهم فروعهم
فمن آرها قدمًا وينظر ابنا ها فما يفرقنّ بينهم
غرُّ مساعيهم العظام وما منها اصطفتها النفوس والشيم
بين ذراريهم إن اقتسمت فقد حواها طرًّا زعيمهم
منطهيقًا في الخصام حيث فلم المنطيق منه اللسان ينعجم
إن هدرت منه فيه شقشقة فألسن الإختصام تنحسم
لا يرجع اللفظ في مقالته كي يتأتّى برجعه الكلم
وإنّما اللفظ في تتابعه سيل ولكن سيله عرم
تصفرُّ من قرعه المسامع من مخاصميه رعبًا وجوههم
كأنّ من لونها لصفرته لم يك فيهنّ قبل ذاك دم
[ ١٨٧ ]
لقد تحاماه أن يناضله من هو في العلم عيلم علم
فالفصحا لم تطق تجادله أنّى ومنه مهابة وجموا
تخال من صمتهم وجوههم لم يتصوّر في خلقهنّ فم
ذب عن الدين في سنان فم كم فيه عنه تكشّفت غمم
وثلَّ فيه عرش الضلال وقد هدم منه ماليس ينهدم
بني المعالي إليكم مدحًا يسمعها من بإذنه صمم
تلبس عرض الكريم سابغة في الطعن منها الرماح تنحطم
كأنّها سرمد الزمان على أفواه حسّاد مجدكم لجم
وإن غدوتم وما لشانئكم بين بني الدهر مهمز بكم
سيّارة تقطع البسيطة لا غور عداها منكم ولا أكم
وفي قلوب الورى لآخرهم جيلًا فجيلًا بالحفظ ترتسم
قد غودرت عندكم كفاتحة ال كتاب لم تنسها قلوبهم