قلت فيه:
عشقت ظماء الوشح لا بل غراثها تودُّ الثريا أن تكون رعاثها
من الخرد الوسنانة اللحظ حرّمت على العين منّي أن تذوق حثاثها
نشت في خدور عنك فتيان عامر حمت بذكور المرهفات إناثها
ومرتبعات في رياض كأنّما ندى حسن في واسم منه غاثها
كأخلاقه أزهارها اللاء دبجت بوطفاء خلنا من يديه انبعاثها
شأى في المعالي والمكارم والنهى فأحرز غايات الفخار ثلاثها
همام به لا قست أبناء عصره ومن بالصقور الغلب قاس بغاثها
تراه بنوا الآمال في المحل غيثها وعند طروق النائبات غياثها
تردّت ثياب العيش فيه قشيبةً وعند سواه قد تردّت رثاثها
من القوم لا تلقى سوى الحمد كسبها وليس ترى إلاّ المعالي تراثها
معوَّدة سبق السؤال صلاتها فإن هي لم تسبق وإلاّ استراثها
وكم بفتىً لاثت مأزرها العلى فما حمدت إلاّ عليه ملاثها
أقول: العشق طمع يتولّد في قلب العاشق وكلّما قوي زاد صاحبه في الإهتياج، واشتغل فكره في الآمال في محبوبه، والحرص على طلبه، واللجاج في محبّته حتّى يؤدّيه ذلك إلى الغم المقلق، وينشؤ عن ذلك فساد الفكر، ومعه يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون، وتمنّي ما لا يتم حتّى يؤدّيه إلى الجنون، فربّما قتل نفسه وربّما مات غمًّا، وربّما رأى محبوبه فمات من الفرح.
واعلم أنّ العشق والهوى والحب وإن كان موردها واحد فقد فرّق فيما بينهما عمرو بن بحر الجاحظ فقال: كلّ عشق يسمّى حبًّا، وليس كلّ حبٍّ يسمّى عشقًا لأنّ العشق اسم لما فضل عن الإقتصاد في الحبّ كما أنّ السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الإقتصاد، والهوى يتفرّع عن الحب، والحب هو المتولّد من أوّل نظرة، قال بعضهم في ذلك:
الحب أوّله حبٌّ تهيم به نفس المحب فيلقى الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت وخطرة قدحت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا تأجّجت أحرقت مستجمع الحطب
وقال الآخر:
الحب من سمع ومن لحظة وفيه أحلاءٌ وإمرار
رأيت نار الحب بين الحشا تفعل ما لا تفعل النّار
إن لم تكلّم في الهوى ألسنٌ تكلّمت باللحظ أبصار
والحب داء ماله حيلة وليس فيه للفتى عار
وقيل: إنّ الحب هو الميل الدائم بالقلب للحبيب ومصاحبته على الدوام، كما قيل:
ومن عجب أنّي أحنُّ إليهم وأسأل شوقًا عنهم وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وكقول الآخر:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب
والحب هو المحبّة، وأحسن الأقوال في اشتقاقها أنّها مشتقّة من حبّة القلب وهي سويداه، وسمّيت بذلك لوصولها إلى حبّة القلب كما قيل مثل ذلك في الشغف، إنّ الحبّ يسمّى شغفًا إذا بلغ شغاف القلب وهو غشاء على القلب رقيق، وكلّ هذه الأوصاف والأحوال بحسب مراتب الحب. فأمّا كون الحب هو المتولّد من أوّل نظرة فقد قالوا أنّ الرجل قد تمرّ به المرأة فيكون ظاهر هيئتها مشاكلًا لطبعه فتتحرّك نفسه وتنبعث همّته وإذا تكرّر نظره إليها زاد حبّه لها، فإن نظرت إليه نظرة فظنَّ أنّ في نظرها جزءً من هوىً له أو أنّ عليها مسحةً من إعجاب به دخل في عداد العاشقين، وقد أجمعوا على أنّ العشق هو الداء العلياء وما له غير وصل الحبيب من دواء، قال مهيار الديلمي:
أشتكيكم وإلى من أشتكي أنتم الداء فمن يشفي السقاما
وممّا ورد في وصف العشق ما رواه الهيثم بن عدي قال: أصبت صخرة مكتوب عليها: العشق ملك غشوم، مسلّط ظلوم، دانت له القلوب وانقادت له الألباب، وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ لفظه، مستوره غامض، وهو دقيق المسلك، عسر المخرج.
[ ١٠٤ ]
أقول: قوله: واللحظ لفظه يشهد بذلك ما قاله البحتري وذلك أنّ السيّد المرتضى روى في الدرر عن يحيى بن البحتري قال: إنّي انصرفت يومًا من مجلس أبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرَّد فقال لي أبي البحتري: ما الذي أفدت يومك هذا من أبي العبّاس؟ فقلت: أملى عَلَيّ أخبارًا وأنشدني أبياتًا للحسين بن الضحّاك. قال: أنشدني الأبيات، فأنشدته:
كأنّي إذا فارقت شخصك ساعةً لفقدك بين العالمين غرب
وقد رمتُ أسباب السلوّ فخانني ضميرٌ عليه من هواك رقيب
أغرَّك صفحي عن ذنوب كثيرة وغضي على أشياء منك تريب
كأنْ لم يكن في الناس قبلي متيّم ولم يك في الدنيا سواك حبيب
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن لشكواي من عطف الحبيب نصيب
فقال: هذا من أحسن الكلام يابني، ثمّ أنشدني لنفسه:
حبيبي حبيب يكتم النّاس أنّه لنا حين تلقاه العيون حبيب
يباعدني في الملتقى وفؤاده وإن هو أبدى في البعاد قريب
ويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ إذا خاف عينًا أو أشار رقيب
فتنطق منّا أعينٌ حين نلتقي وتخرس منّا ألسنٌ وقلوب
ثمّ قال: أرو يا بني هذا فإنّه من أحسن الشعر وظريفه.
وقال بعضهم: وقد جعل الدمع كناية تخاطبه بها محبوبته إخفاءً للمحبّة التي بينهما بحيث لا يعلم بهما الوشاة:
ومراعة للبين تحسب أنّها قمر على غصن تغيب وتطلع
كتبت إليك على شقائق خدّها سطرًا من العبرات ماذا أصنع
فأجبتها بلسان حال معرب ما في الحيوة مع التفرّق مطمع
وما أحسن قول بعضهم في إخفاء المحبّة وإظهار الصدّ حذر العذال والوشاة:
وخبّرك الواشون أن لا أحبّكم بلى وستور الله ذات المحارم
أصدُّ وما الصدّ الذي تعلمينه عزاء بنا إلاّ اجتراع العلاقم
حياءً وتقيًا أن تشيع نميمةٌ بنا وبكم أُفٍّ لأهل النمائم
وإنَّ دمًا لو تعلمين جنيته على الحيّ جاني مثله غير سالم
أما أنّه لو كان غيرك أرقلت صعاد القنا بالراعفات اللهاذم
ولكنّه والله ما طلَّ مسلمًا كبيض الثنايا واضحات الملاغم
رمين فاقصدن القلوب فلا ترى دمًا مائرًا إلاّ جوىً في الحيازم
إذا هنَّ ساقطن الحديث حسبته سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم
وقال الطغرائي وقد أبدع غاية الإبداع بنظم يستوقف حسنه العيون والأسماع:
خبّروها أنّي مرضت فقالت مرضًا طارفًا شكى أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وسادي فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خيفةً تتشكّى ألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك أن أمالت عَلَيّ عطفًا وجيدا
قال صلاح الدين الصفدي: هذه الأبيات يرشفها السمع مدامًا، ويفضلها السامع على العقود نظاما، ويظنّ الشاعر ألفاتها غصونًا، والهمزات عليها حماما.
رَجْعٌ إلى وصف العشق: روي أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: ما العشق؟ فقال يحيى: سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه، ويتواتر بها نفسه. فقال له تمامة: أسكت يا يحيى! إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد صيدًا وأمّا هذه فمن مسائلنا نحن. فقال له المأمون: قل يا تمامة! فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مونس، وصاحب مالك، ومالك قاهر مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادّة، وأحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب في خواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآرائها، وأعطي زمان طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه. فقال المأمون: أحسنت يا تمامة، وأمر له بألف دينار.
أقول: قوله: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق الخ تعريض لطيف لأنّه سُئل في هاتين المسألتين وما اهتدي إلى الجواب عنهما، فقد روي في حديث تزويج المأمون ابنته أُمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ الجواد ﵇ أنّ يحيى بن أكثم قال للمأمون: أتأذن لي أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال له المأمون: إستأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر ﵇: سل إن شئت. قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدًا؟
[ ١٠٥ ]
فقال له أبو جعفر ﵇: قتله في حلّ أو حرم؟ عالمًا كان المحرم أم جاهلًا؟ قتله عمدًا أم خطأ؟ حرًّا كان المحرم أم عبدًا؟ صغيرًا كان أم كبيرًا؟ مبتدئًا بالقتل أم معيدًا؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرًّا على ما فعل أم نادمًا؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النّهار؟ محرمًا كان بالعمرة إذ قتله أم الحج كان محرمًا؟ فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فلمّا تفرّق الناس وبقي الخاصة قال المأمون لأبي جعفر ﵇: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر ما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده؟ فقال أبو جعفر: نعم، إذا قتل صيدًا في الحلّ وكان من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفًا، وإذا قتل فرخًا في الحل فعليه جمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمة الفرخ، فإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبيًا فعليه شاة، وإن كان قتل شيئًا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفًا هديًا بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه الإثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة.
فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر! أحسن الله إليك! فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟ قال: ذاك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك. فقال له أبو جعفر: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النّهار فكان نظره إليها حرامًا عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا كان غروب الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟ فقال له يحيى والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه فإن رأيت أن تفيدنا؟ فقال له أبو جعفر ﵇: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار فكان نظره إليها حرامًا عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهرها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان من نصف الليل طلّقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.
فقول تمامة: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم قتل صيدًا تعريض له بذلك، معناه أنّك مع ما تسمّيت به من الفقه ولا تعرف الجواب عن مسائله، فكذلك أنت من أهل العشق ولا تحسن وصفه.
وذكر ابن خلّكان عن بعض المؤرّخين أنّه لم يكن في يحيى بن أكثم ما يعاب به سوى ما كان يتّهم به من الهناة الشائعة عنه المنسوبة إليه.
قال: ونقلت من أمالي أبي بكر محمّد بن القاسم الأنباري أنّ القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون فيّ؟ قال: ما أسمع إلاّ خيرًا. قال: ما أسألك لتزكّيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأُبنة، قال: اللهمّ غفرًا، المشهور عنّا غير هذا.
وذكر عنه أنّه كان يحسد حسدًا شديدًا وكان متفنّنًا، فإذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكيٌّ حافظ، فناظره فرآه متفنّنًا، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: تحفظ من الأُصول؟ قال: نعم أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أنّ عليًّا ﵇ رجم لوطيًّا، فأمسك يحيى عنه ولم يكلّمه.
قال الخطيب: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال، فلمّا رآهما يمشيان في صحن الدار أنشد:
[ ١٠٦ ]
يا زائرينا من الخيام حيّاكما الله بالسلام
لم تأتياني وبي نهوض إلى حلال ولا حرام
يحزنني إن وقفتما بي وليس عندي سوى الكلام
ثمّ أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتّى انصرفا.
ويقال: إنّه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات.
قال: ورايت في بعض المجاميع أنّ يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب وهو يومئذ صبيّ فلاعبه ثمّ جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى:
أيا قمرًا جمشته فتغضّبا وأصبح لي من تيهه متجنّبا
إذا كنت للتجميش والعضّ كارهًا فكن أبدًا يا سيّدي متنقّبا
ولا تظهر الأصداغ للنّاس فتنة ولا تجعل منها فوق خدّيك عقربا
فتقتل مسكينًا وتفتن ناسكًا وتترك قاضي المسلمين معذّبا
وقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم، وكان غلامًا جميلًا، متناهي الجمال، فقرص القاضي خدّه، فخجل الغلام واستحيى وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثمّ أملى الأبيات المذكورة.
وقال إسماعيل الصفّار: سمعت أبا العينا في مجلس أبي العبّاس المبرّد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل وكان أبوبكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلامًا، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل.
وذكر الخطيب في تاريخه: أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: من الذي يقول:
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا يرى على من يلوط من بأس
قال: أوما يعرف أميرالمؤمنين قائله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأُمّة وال من آل عبّاس
قال: فأفحم المأمون خجلًا وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند.
وهذان البيتان من جملة أبيات أوّلها:
أنطقني الدهر بعد أخراس لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدهر لا يزال كما يرفع ناسًا يحطُّ من ناس
لا أفلحت أُمّةٌ وحقَّ لها بطول نكس وطول أتعاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ولى يحيى لها بسوّاس
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا يرى على من يلوط من بأس
يحكم للأمرد الغرير على مثل جرير ومثل عبّاس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال عدل وقلَّ الوفاء في النّاس
أميرنا يرتشي وحاكمنا يلوط والرأسُ شرُّ ما راس
لو صلح الدين واستقام لقد قام على النّاس كلّ مقياس
لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأُمّةِ وال من آل عبّاس
قال: وحكى أبوالفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب كثيرة، وأنّ المأمون لمّا تواتر النقل على يحيى بهذا اراد امتحانه، فأخلى له مجلسًا واستدعاه وأوصى مملوكًا خزريًّا أن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى فلا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلمّا اجتمعا بالمجلس وتحادثا وانصرف المأمون كأنّه يقضي حاجته فوقف المملوك، فتجسّس المأمون عليهما، وكان قرّر معه أن يعبث بيحيى علمًا منه أنّ يحيى لا يتجاسر عليه خوفًا من المأمون، فلمّا عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنّا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنّا نرجي أن نرى العدل ظاهرًا فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها وقاضي قضاة المسلمين يلوط
إنتهى.
رَجْعٌ إلى ما قيل في وصف العشق: قال الأصمعي: سألت أعرابيّة عن العشق، فقالت: جلَّ والله أن يرى، وخفي عن أعين الورى، فهو في الصدور كامن، كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.
وقيل لأبي زهير المدني: ما العشق؟ فقال: الجنون داء أهل الذلّ، وهو داء أهل الظرف.
وقال بعض الأطبّاء في صفة الحب: الحب امتزاج الروح بالروح، ولو امتزج الماء بالماء لامتنع تخليص بعضه من بعض، فكيف والروح ألطف امتزاجًا وأرقّ مسلكًا.
وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو أغمض مسلكًا في القلب من الروح والجسد، وأملك من النفس بالنفس، بطن وظهر، ولطف وكشف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعمي عنه البيان، فهو بين السحر والجنون، ولطف المسلك والكمون.
[ ١٠٧ ]
وروى أهل السير أنّ الذين علق الحب قلوبهم وماتوا أو جنّوا هم الذين عشقوا بنات العمّ والجيران في الحداثة، وإنّ ذلك هو العشق الذي لا يزايل صاحبه أبدًا حتّى يموت أو يهيم على وجهه، ويشهد بذلك قول المجنون:
وعلقت ليلى وهي ذات موصد ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرى البهم يا ليت أنّنا صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم
ومنه قول جميل:
علقت الهوى منها وليدًا ولم يزل إلى الآن ينمو حبّها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها وأفنت بذاك العمر وهو جديد
وكان أوّل ما علق جميلٌ بثينة أنّه أقبل يومًا في إبله فاستقبل ودايًا يقال له وادي بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة في ذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء فمرّتا على فصال له برّك ففرّقتهنّ بثينة وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبّها جميل فأقترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:
وأوّل ما قاد المودّة بيننا بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولًا فجائت بمثله لكلّ كلام يا بثين جواب
وعن رجل من جهينة أنّه قال: صادفت في الحمّام جميل بثينة وأنا لا أعرفه فقلت: من أنت؟ قال: جميل، فقلت له: أنت الذي تقول:
لها النظرة الاُولى عليهنّ بسطة فإن كرّت الأبصار كان لها العقب
فقال: نعم أنا الذي أقول:
ترى البزل بكرهنّ الرياح إذا جرت وبثنة إن هبّت بها الريح تفرح
قال: فقلت: إنّي والله لأظنّ أنّ عرقوفيها يذكيان إذا كلّت شفرة الحي، فضحك وقال: يابن أخي! لو رأيتها لوددت أن تلقى الله بهنة منها مصرًّا عليها أبدًا.
وممّا ورد من الأخبار التي تشهد بعفّة أهل العشق المتقدّمين ما رواه سهل بن سعد قال: كنت بمصر وخرجت لحاجة فلقيني صديق لي في بعض الطريق فقال لي: هل لك أن تعدل لعيادة جميل فقد ثقل مرضه؟ قلت: نعم، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إليّ وقال: يابن سعد! ما نقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب مدامًا ولم يسفط دمًا حرامًا قد أتت عليه خمسون سنة يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدًا رسول الله؟ فقلت: من هذا، فإنّي أظنّه ناج من عذاب النّار؟ فقال: أنا ذاك، قلت: يا سبحان الله! ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وما أحسبك تسلم وأنت تسبّب ببثينة منذ عشرين سنةً؟ فقال: إنّي في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة فلا نالتني شفاعة محمّد إن وضعت يدي يومًا عليها لريبة، وإنّما أكثر ما يكون منّي إليها أنّي آخذ يديها فأضعهما على قلبي فأستريح إليها، ثمّ أُغمي عليه فأفاق وأنشأ يقول:
صرخ النعيُّ وما كنى بجميل وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجرُّ الذّيل في وادي القرى نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة واندبي بعويل وابكي خليلك دون كلّ خليل
ثمّ أُغمي عليه فمات.
وعن الحافظ أبي محمّد الأموي أنّه قال: كانت عنده امرأة تخدمه، وإنّ فتىً علقها وعلقته، فذاع سراهما وشاع أمرهما، فاجتمعا يومًا فقال لها: هلمّ نحقّق ما قاله فينا الناس، فقالت: لا والله لا كان ذلك أبدًا وأنا أقرأ: (الأخلاّءُ يَوْمَئِذ بَعضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إلاّ المُتّقين) .
وروي عن جميل أنّه قال لبثينة ليرى ما عندها: هل لك يا بثينة أن نحقّق ما قاله فينا النّاس؟ فقالت: مه، إنّ الحبّ إذا نكح فسد، ونظم هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ماالحبّ إلاّ نظرةٌ وغمز كفٍّ وعضد
ماالحبّ إلاّ هكذا إن نكح الحبّ فسد
وروي عن الأصمعي أنّه قال: قلت لأعرابيّة: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمّة والمحادثة والغمزة، ثمّ قالت: يا حضري! كيف هو عندكم؟ قلت: يقعد المحب بين رجلي من يحب ثمّ يجهدها. قالت: يابن أخي! ما هذا عاشق، هذا طالب ولد.
وسأل رجل أعرابيًا عن العشق فقال: هو اللحظة والنظرة ومصّ الريقة ولثم الثغر والأخذ من لطائف الحديث بنصيب، فكيف هو عندكم يا حضري؟ فقال: العضّ الشديد، والجمع بين الركبة والوريد، وهو يوقض النيام، ويوجب الآثام. فقال: تالله ما يفعل هذا العدوّ فكيف الحبيب.
[ ١٠٨ ]
وقيل لآخر: ما كنت صانعًا بمن أحببت لو ظفرت به؟ قال: أُحلّ الخمار وأُحرّم ما وراء الإزار، وأُطهّر الحب ما يرضى الرب.
وقيل لآخر: ما كنت صانعًا بمحبوبتك لو ظفرت بها؟ قال: أضمّها وألثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذّة ساعة تفنى لذّتها ويبقى عقابها، إنّي إن فعلت ذلك للئيم ولم يلدني كريم.
وما ألطف وأظرف قول بعضهم:
وباض الحب في قلبي فياويلي إذا فرّخ
وما أصنع في الحبّ إذا لم أنزح البربخ
وكان العشق أكثر وقوعًا في بني عذرة، ولقد اشتهروا فيه بين القبائل، وصاروا يُضرَب بهم المثل في العشق لكثرة من قتل منهم.
روي عن محمّد بن جعفر ما هذا ملخّصه أنّه قال: سمعت رجلًا من عذرة يتحدّث عند عروة، فقال له عروة: يا هذا بحقٍّ إنّكم أرقّ النّاس قلوبًا؟ قال: نعم، والله لقد تركت في الحي ثلاثين شابًّا خامرهم الموت ما لهم داء إلاّ الحب.
وروي ما هذا مضمونه عن سعد بن عتبة أنّه حضر في مجلسه رجل فاستغربه، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: عذريٌّ وربّ الكعبة، ثمّ قال له: ولِمَ كان بكم هذا الداء الذي أهلككم؟ قال: لأنّ في رجالنا صباحة وفي نسائنا عفّة.
وعنهم ما هذا ملخّصه أنّه قال رجل من فزارة لرجل من عذرة: إنّكم لتعدّون موتكم في الحبّ فضيلةً لكم ومزيّة، وإنّما ذاك من ضعف البنية ووهن العقيدة وسوء الرويّة. فقال العذريّ: أمّا إنّكم لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج من تحتها المباسم الفلج تفترّ عن الثنايا الغرّ كأنّها البرد والدر لجعلتموها اللاّت والعزّى.
واعلم أنّ من المعلوم عند العرب أنّ الشيء إذا عظم كالسيف والرمح والأسد والداهية والخمر عظمت فيه عنايتهم ووضعوا له أسماء وصفاتًا كثيرة، ولمّا كان لا شيء عندهم أعظم من الحب كانت عنايتهم فيه أعظم فوضعوا له صفاتًا وأسماء لا تكاد تحصى وأيسرها ما نقله عنهم الحصيري في بعض مصنّفاته فقال: الحب، والعشق، والهوى، والمقة، والعلاقة، والرقّة، والكئابة، والصبابة، والكرب، والصبوة، والشغف، والتوق، والوله، والكلف، والأسف، والدنف، والجوى، والخلّة، والودّ، والكمد، والسهد، والخبل، والجنون، والتدلية، والنبل، والشجون، والحرق، والرسيس، والأرق، والوجل، والحزن، والتلدد، والبلابل، والوهل، والنبالة، والتبالد، والتنيم، والجزع، والخوف، والوصب، والإكتئاب، والشجن، والهلع، والهيام، والنصب، والغرام، والحسرات، والخلاعة، والتباريح، والغمرات، واللعج، والحنين، والتلهّف، والأنين، واللذع، والندم، والإستكانة، واللوعة، والسقم، والفتون، والتفجّع، والمسُّ، واللمم، والداء المخامر، والضنى المسامر، والعقل المختلس، والنفس المحتبس، واللبّ المسلوب، والدمع المسكوب.
إنتهى كلامنا على العشق.
وظماء الوشح وغراثها: الظماء هي العطشانة، والغراث هي الجائعة، ووصف الأوشحة بالعطش والجوع كناية عن دقّة الخصر لأنّ ذلك من الصفات المحمودة في النساء، ويقال: هي مخطفة الحشا ومهضومة الحشا ومرهفة الخصر وعظيمة الكشح، ويقابلون ذلك بارتواء الأرداف والمخلخل، والمراد به الساق. قال امرؤ القيس:
هصرت بفودي رأسها فتمايلت عَلَيّ هظيم الكشح ريّا المخلخل
وقال أبو تمام:
فتأبّدت من كلّ مخطفة الحشا غيداء تكسى بارقًا ورعاثا
وقال البحتري:
أظالمة العينين مظلومة الحشا ضعيفة كفّي الخيال المؤرّقا
وقال أيضًا:
ويقلُّ انتصار من هظمته ذات كشح مهفهف مهظوم
وقال أيضًا:
أوانس ظمآنةٌ وشحها ريّانة خرسٌ خلاخيلها
وقال الآخر:
ونشوان من خمر الدلال سقيته شمولًا فنمت عن هواه الشمائل
شكى ظمأً منه الموشّح وارتوت بماء الصبا أردافه والخلاخل
وهذا الباب واسع جدًّا.
والرعاث هو القرط. قال الأرجاني وقد شبّه القرط بالثريّا:
تذكر كم ليل لهونا به قرطك قد كان ثريّاه
وقال الأموي:
بدا والثريّا في مغاربها قرط بريق شجاني والدجى لم شمّط
وإنّما يشبّه القرط بالثريّا لأنّه مثله في الهيئة.
[ ١٠٩ ]
وقولي: حمت بذكور المرهفات إناثها، اشتمل على الطباق، والطباق هو من المحسّنات المعنوية ويُسمّى المطابقة، والتطبيق، والتكافؤ، والتضاد.
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهو؛ يعني الطباق، في المعاني ضدّ التجنيس في الألفاظ لأنّ التجنيس هو اتّحاد اللفظ مع الختلاف المعنى، الطباق هو أن يكون المعنيان ضدّين، وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أنّ المطابقة هي الجمع بين الشيء وضدّه كالسواد والبياض والليل والنهار، والظاهر أنّ المقابلة أعمّ من الطباق؛ فإنّ كلّ طباق مقابلة ولا عكس، لأنّه الجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل فلا يجيء باسم مع فعل ولا العكس وذلك غير ملحوظ في المقابلة، ولأنّ المطابقة هي الجمع بين ضدّين، والمقابلة هي الجمع بين ضدّين فصاعدًا، ومن أمثلة مجيئه من إسمين قوله تعالى: (وَتَحْسبُهُم أيقاظًا وهُمْ رُقُود)، ومن فعلين قوله تعالى: (يُحيي ويُميت)، وقوله: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُمْ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمللأنصار: إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع. ومن حرفين قوله تعالى: (لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ) فإنّ في اللاّم معنى الإنتفاع وفي على معنى التضرّر أي لها ما كسبت من خير وعليها مااكتسبت من شرّ، إنتهى.
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي ما قلته مقرضًا على المنظومات الموسومة ب "الباقيات الصالحات" نظم عبد الباقي أفندي العمري في مدح أئمّة العصمة ﵌ وقد مدحته فيها، فقلت:
أربّ القوافي قد غدا لك مذعنًا بها محرز الفضل اكتسابًا ووارثه
لو المتنبّي شاهد الحكم التي نطقت بها ما شكَّ أنّك باعثه
هي "الباقيات الصالحات" أطائب ال قريض ولكن ما سواها خبائثه
فحسبك منها معجزًا بمديح من معاجز كلّ الأنبياء موارثه
غدت كعصا موسى ولكنّما بها قد التقفا سحر القريض ونافثه
كفى أنّها في أُمّة الشعر قبلةٌ إليها قديم النظم صلّى وحادثه