قلت في مدحه هذه الأبيات:
دعوا كبدي ودونكموا دموعي فداعي البين يهتف بالجميع
وما أبقي على كبدي ولكن لتأنس في محلّكم ضلوعي
كتمت بها الهوى زمنًا إلى أن دعاها يومُ بينكم أُذيعي
فصاعدت الدموع لكم نجيعًا ويوشك أن تسيل مع الدموع
وبالعلمين واضحة المحيّا رشوف الثغر طيّبة الفروع
تمنّي المستهام بغير نيل فتطمعه بخالبة لموع
منعت وصالها فسلوت عنها وقلت لها ورائك من منوع
فأنت وما صنعت فعنك حسبي بمدح محمّد الحسن الصنيع
ربيع زماننا وأرقُّ طبعًا إلى الندماء من زمن الربيع
ربيب مكارم وفتى معال ترعرع في ذرعى الشرف الرفيع
درور أنامل الكفّين جودًا غداة السحب جامدة الضروع
كسا أعطافه نفحات فخر وقال لها على الثقلين ضوعي
[ ١٥٨ ]
الرشوف هي المرأة الطيّبة الفم، والرشف المصُّ، وقد رشفه يرشفه، ويرشفه وارتشفه أي امتصّه. وفي المثل: الرشف أنقع إذا ترشّف الماء قليلًا قليلًا كان أسكن للعطش. وعلى قولي: تمنّى المستهام الخ قول بعضهم:
لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى على كبدي نارًا بطيئًا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ولكنَّ شوقًا كلّ يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تذوب صبابتي إذا قدمت أيّامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
بمرتجه الأرداف هيفٌ خصورها عذابٌ ثناياها عجافٌ قيودها
مخصرّة الأوساط زانت عقودها بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
وصفرٌ تراقيها وحمرٌ أكفّها وسودٌ نواصيها وبيضٌ خدودها
يمنيننا حتّى ترفُّ قلوبنا رفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها
ويروى أنّ منها:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى كنظرة ثكلى قد أُصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت أم الله إن لم يعف عنها معيدها
فمعنى قولي: تمنّي المستهام أنّها تريه من الإمارات في أحوالها وأقوالها ما يقرب إلى ظنّه الظفر بحصول ما تشتهيه نفسه من وصالها بحيث يبقى متشوّفة نفسه إلى أن يحظى بتلك الإرادة متوقّعًا حصولها، وهذا الطمع ممّا جرت به العادة. وما أحسن قول البحتري في صفة الأحوال المطمعة:
إنّ في السّرب لو يساعفنا السرب شموسًا يمشين مشيًا وئيدا
يتدافعن بالأكفّ ويعرضن علينا علوارضًا وخدودا
وما أحلى قول أبي حيّة النميري:
ألمّا بسلمى قبل أن ترمي النوى بنافذة نبض الفؤاد المتيّم
يقف عاشق لم يبق من روح نفسه ولا عقله المسلوب غير التوهّم
فقلنا لها سرًّا فدنياك لا يرح صحيحًا وإن لم تقتليه فالممي
فألقت قناعًا دونه الشمس واتّقت بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم
ومن المطمعات الرقّة واللين في الكلام كما وصفه الله عزّوجلّ فقال: (لا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي في قَلْبِهِ مَرَض) وقال بعض الشعراء، وأحسن في ذلك ما شاء:
ومستخفيات ليس يخفين زرننا يسحبن أذيال الصبانة والشكل
جمعن الهوى حتّى إذا ما ملكنه نزعن وقد أكثرن فينا من القتل
موارق من ختل المحبّ عوارف بختل أولى الألباب بالجدّ والهزل
مريضات رجع القول خرس عن الخنا تألّفن أهواء القلوب بلا بذل
ولآخر:
بيض حرائر ما هممن بريبة كظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام زوانيًا ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
وللمتنبّي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلةً أوراكهنّ صقيلات العراقيب
ولآخر:
وإذ دعونك عمّهنّ فإنّه نسب يزيدك عندهنّ خبالا
ولآخر:
وكانت تسمّيني أخاها تعلّلًا فقلت لها أفسدت عقل أخيك
وإنّي لأستحسن لبعض شعراء عصرنا المسمّى بملاّ محمّد التبريزي قوله وفيه التورية:
وقائلة عمّي وما أنا عمّها ولكنّني أفدي بعمّي خالها
وعلى ذكر التمنّي فما أحسن قول مهيار الديلمي:
أتمنّى والمنى جهد المقلّ واقضي الدهر في ليت وهل
وأسوّي كلف العيش إذا أظلمت لي بطلاوات الأمل
سلوة وهي الغرام المشتكى وتعاليل أسىً هنَّ العلل
قيل: إنّ بعضهم تمنّى في منزله فقال: ليت لنا لحمًا نطبخ منه سكباجًا، فما لبث أن جاء ابن جاره بصفحة وقال: أغرفوا لنا قليلًا من المرق، فقال: إنّ جيراننا يشمّون رائحة الأماني.
ولذا قيل: الأماني بضائع النوكى.
وقيل: التمنّي رأس مال المفلس.
وعلى ذكر الطمع ما روي أنّه تخاصم رجلان عند دير، فقال أحدهما: أير هذا الرّاهب في حر أُمّ الكاذب، فما لبث أن نزل الراهب منعضًّا وهو يقول: أيّكما الكاذب.
ويقال: إنّ بعضهم اجتاز بدارا فسمع صاحبها يقول لزوجته: إن لم أحمل عليك ألف رجل فما أنا برجل، فجلس على الباب إلى أن أعيى ثمّ قام وضرب الباب وقال: تحمل على هذه القحبة أو نمضي.
[ ١٥٩ ]
وقيل لأشعب الطمّاع: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة أُم حؤمل تبعتني فرسخين وأنا أمضغ كندرًا.
وقيل له يومًا: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسًا في المدينة تزفّ إلاّ كنست بيتي ورششته طمعًا في أنّها تزفّ لي.
ووقف على رجل خيزراني يعمل طبقًا فقال: وسعه قليلًا، فقال الخيزراني: وما تريد بذلك؟ لعلّك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن يشتريه بعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئًا. ونوادره كثيرة.
واتّفق أنّا سافرنا إلى بغداد أوّل الشتاء، فهبت علينا في بعض الطريق ريح نكباء وأرخت السماء عزالاها وذلك وقت الطفل، فملنا إلى حصن بناه على الطريق أبوالممدوح محمّد الصالح، فلمّا نزلنا فيه أنشأ عمّنها المهدي فيه وله الأصل النفيس، ولي هذا التخميس:
أجل لم يكن في ساحة الكون فاعلمن لسار حمىً إلاّ ببيتين في الزمن
ببيت بناه الله أمنًا من المحن وبيت على ظهر الفلاة بناه من
له همّة من ساحة الكون أوسع
ألا ربَّ قفر قد قطعنا فضائه بيوم وصلنا بالصباح مسائه
ولمّا علينا الليل مدّ ردائه نزلنا به والغيث يكسب مائه
كأنّ قطره من سيب كفّيه يهمع
كأنّ النعامى حين وافت بقطره لنا حملت من خلقه طيب نشره
فما قطرة إلاّ تتابع وفره وما برقه إلاّ تبسّم ثغره
لوفّاده من جانب الكرخ يلمع
فبورك بيتًا كان فيه احتجابنا عن السوء مذ أمسى إليه انقلابنا
به أمنت حصب الرياح ركابنا ومنه وقفتنا أن تبلَّ ثيابنا
مقاصر من شأو الكواكب أرفع
مقاصرُ بتنا من حماها بجنّة وقينا الأذى من حفظها بمجنّة
غدت مجمع السارين أنس وجِنّة ولم ير في الدّنيا مقاصر جنّة
لشمل بني الدنيا سواهنّ تجمع
فوحشتنا زالت بإنس رحابها عشيّه بتنا في نعيم جنابها
إلى أن نسينا السير تحت قبابها كأنّا حلولٌ في منازلنا بها
ولم تتضمّنا مهامة بلقع
بنا أدلجت تطوي المهامة عيسنا إلى أن بأيدي السير دارت كئوسنا
فمالت نشاوى نحوهنَّ رؤسنا وبتنا بها حتّى تمنّت نفوسنا
نقيم بها ما دامت الشمس تطلع
ومذ كان فيها بالسرور مبيتنا محيث ثمار الإنس والبشر قوتنا
رأينا الهنا في ظلّها لا يفوتنا وعنها وإن عزمت علينا بيوتنا
وددنا إلى أكنافها ليس نرجع
فلا عجب أن تغد صبحًا وعتمةً بها الوفد من كلّ الجهات ملمّةً
وتمسي لهم بالخوف أمنًا وعصمةً ففيها أبوالمهدي أسبغ نعمةً
على النّاس فيها طوق النّاس أجمع
بها عمَّ أهل الأرض دان وشاسعا وفيها لكلّ الخير أصبح جامعا
وليس لهذي وحدها كان صانعًا له الله كم أسدى سواها صنائعا
بأمثالها سمع الورى ليس يقرع
لقد غمر الدّنيا معًا بسخائه فكانت لسانًا ناطقًا بثنائه
وأدّب صرف الدهر بعد اعتدائه فلا برحت في الكون شمس علائه
بأُفق سماء المجد بالفخر تطلع