قلت في مدحه:
حمّلتك الديار ما لا تطيق مذ عرى شمل أهلها التفريق
عرصات حبست أيدي المراسيل عليها والدمع منك طليق
كنت ترتادها وريقة روض وهي اليوم دمنةٌ لا تروق
سحقتها اليوم المطايا كأن لم تك بالأمس وهي مسك سحيق
صاح ماذا عليك من رسم دار قد تعفّت وزال عنها الفريق
أوحشت غير أن يئنَّ ابن ورقاء بها أو يحن صبٌّ مشوق
فأطرح ذكرها لمدح عظيم هيبةً باسمه تضيق الحلوق
حسن الفعل ماجد الفرع والأصل جدير بالمكرمات خليق
لحقته أماجد العصر لكن عزَّ في شأوه عليها اللحوق
ذو لسان كما ينضنض صلٌّ وفم فيه ريقة الصلّ ريق
وهو في أعين الخصوم لسان وبأحشائهم سنان ذليق
وإذا غاية من المجد عنّت لم يعقه عن نيلها العيوق
قولي: لحقته أماجد العصر الخ قد مضى طرف من ذكر المسابقة في قافية الجيم ونحن نذكر طرفًا منها الآن، قال مهيار الديلمي:
عرفت من نفسك ما لم يعرفوا فطرت حتّى صرت حيث تستحق
كم عجبوا منك وأنت ترتقي وانتظروا فيك الزليل والزلق
وخاوصوك حسدًا بأعين لم تحفل الشهلة منها والزرق
حتّى تركت النجم في خضرائه يخطر زهوًا إن سبقت ولحق
وإنّي لأستحسن لعمّنا المهدي في السبق واللحوق من جملة قصيدة ولقد أجاد في معنى أبياته هذه:
ورأوك تسعى للمعالي ساحبا ذيل الفخار على ذرى الجوزاء
فجروا وراك فغبت عن أبصارهم فتخيّلوا سبقوك للعلياء
وإذا هم بمكانهم لا يستطي عون اللحوق بكم من الإعياء
[ ١٧٣ ]
فجسومهم في الأرض واهية القوى وعقولهم طارت مع العنقاء
ياليتها تبعت عقولهم ولا تبقى لهم في خزية شنعاء
وقال السري الرفاء:
كم حاولا أمدي فطال عليهما أن يدركا إلاّ مثار ترابي
عجزا ولن تقف العببيد إذا جرت يوم الرهان مواقف الأرباب
ومثل قوله: أن يدركا إلاّ مثار ترابي، قول السيّد الرضي في صفة الجواد، ولقد أحسن وأجاد:
وذي حجول نافض سبيبه على طموح الناظرين بازل
ينقضُّ لا تلحق من غباره إلاّ بقايا فلق الجراول
وفي هذا البيت من المبالغة ما لا يخفى، لأنّه جعل هذا الجواد في سرعة عدوه لا يلحق غباره وإنّما يحلق منه فلق الجراول - وفلق الجراول الحجار الصغار التي تنحتّ من الصخر وتكون مع ترابه لدقّتها - وحيث انتهى الكلام إلى ذكر الجواد وشدّة عدوه لا بأس بذكر نبذة ممّا نظمته الشعراء في الخيل، قال الطغرائي:
سبقت حوافرها النواظر فاستوى سبق إلى غاياتها وصفون
لولا ترامي الغايتين لأقسم الرائون أنّ حراكها تسكين
وتكاد تشبهها الصروف لو أنّها لم تعتلقها أعين وظنون
وما أحسن ما وصف به ابن حجاج فرسه:
قال له البرق وقالت له الريح جميعًا وهما ما هما
ءأنت تجري معنا قال لا إن شئت أضحكتما منكما
هذا ارتداد الطرف قد فتّه إلى المدى سبقا فمن أنتما
وقال ابن دريد:
يجري فتكبو الريح في غاياته حسرى تلوذ بجراثيم السحا
وقال ابن نباته:
لا تعلق الألحاظ من أعطافه إلاّ إذا كفكفت من غلوائه
قال ابن حمديس الصيقلي:
يجري فلمع البرق في أثاره من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلّه لو كان يرغب في فراق رفيق
وما أبدع قول ابن المعتز:
فكأنّه موج يذوب إذا أطلقته وإذا حبست جمد
وما أحلا قوله أيضًا:
يكاد أن يخرج من إهابه إذا تدلّى السوط لولا اللبب
وقال شمس الدولة:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثرى فكأنّه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة تراهنُ طرفه فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
ولقد أجاد عمّنا المهدي حيث نسج على منوال هذا المعنى فقال:
يعدو عليهم على عداء سابحة من شدّة الجري لم تبصر توائمها
تطير بين السما والأرض جائلة كأن قوائمها كانت قوادمها
وقال بعضهم:
كم سابح أعددته فوجدته عند الكريهة وهو نسر طائر
لم يرم قط بطرفه في غاية إلاّ وسابقه إليها الحافر
وبليغ قول الصفدي:
يا حسنه من أشقر قصّرت عنه بروق الجورّ في الركض
لا تستطيع الشمس من جريه ترسمه ظلًاّ على الأرض
وعجيب قول الصفي:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرح بميس من عجبه كالشارب الثمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسيه موكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير به كواكبٌ تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته مرّت بهاديه وانحطّت عن الفل
وغريب قوله أيضًا:
وأغرّ تبريّ الإهاب مورد سبط الأديم محجّل ببياض
أخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ممّا ييسابقها إلى الأغراض
وقال المتنبّي:
يقبّلهم وجه كلّ سابحة أربعها قبل طرفها تصل
إن أدبرت قلت لا تليل لها أو أقبلت قلت مالها كفل
وبديع قول جمال الدين:
وأدهم اللون فات البرق وانتظره فغارت الريح حتّى غيّبت أثره
فواضعٌ رجله حيث انتهت يده وواضع يده أنّى رمى بصره
سهم تراه يحاكي السهم منطلقًا وماله غرض مستوقف خبره
يعقّر الوحش في البيداء فارسه وينثني وادعًا لم يستثر غبره
وقال ابن نباتة:
وردٌ مع العرب منسوب فلا قطعت يد الحوادث من أنسابه شجره
إذا امتطى ظهره رامي السهام مضى والسهم حذوًا فلولا سبقه عقره
عجبت حين تسمّى سابحًا وله وثب لو البحر راسى دونه طفره
فتخاء في هضبات الحسن صاعدة أولا فصاعقة في السهل منحدره
[ ١٧٤ ]
لمّا ترفّع عن ندٍّ يسابقه أضحى يسابق في ميدانه بصره
ومن الشعر الأجنبي تخميس قصيدة في مدح النبي وذلك أنّ مركز دائرة الفصاحة، من حلّ من الزوراء أشرف ساحه، الذي كانت تغترف أهل النظم من حبره، وننسج ديباج كلامها على منوال نثره، عبد الباقي أفندي الفاروقي العمري نظم هذه القصيدة القافية في مدح النبي سيّد البرية وأرسلها إلى الفيحاء، فخمستها وأرسلتها إليه إلى الزوراء، وسمّطْتُها بهذا العقد النفيس، الذي جاء حسبما اقترحه من التخميس:
تعاليت من فاتح خاتم عليم بما كان من عالم
فيا صفوة الله من هاشم تخيّرك الله من آدم
وآدم لولاك لم يخلق
بك الكون آنس منه مجيئًا وفيك غدا لا به مستضيئًا
لأنّك مذ جاء طلقًا وضيئًا بجبهته كنت نورًا مضيئًا
كما ضاء تاج على مفرق
فمن أجل نورك قد قرّبا إله السماء آدمًا واجتبى
نعم والسجود له أوجبا لذلك إبليس لمّا أبى
سجودًا له بعد طرد شقي
وساعة أغراه في إفكه بأكل الذي خصَّ في تركه
عصى فنجى بك من هلكه ومع نوح إذ كنت في فلكه
نجا وبمن فيه لم يغرق
وسارة في سرّك المستطيل غداة غدا حملها مستحيل
بإسحاق بشّرها جبرئيل وخلّل نورك صلب الخليل
فبات وبالنّار لم يحرق
حملت يصلب أمين أمين إلى أن بعثت رسولًا مبين
وهل كيف تحمل في المشركين ومنك التقلّب في الساجدين
به الذكر أفصح بالمنطق
براك المهيمن إذ لا سماء ولا أرض مدحوّة لا فضاء
ومذ خلق الخلق والأنبياء سواك مع الرسل في إيلياء
مع الروح والجسم لم يلتق
وكلٌّ رأى الله لم يحذه علاك وعلمك لم يغذه
فنزّه عهدك عن نبذه فجئت من الله في أخذه
لك العهد منهم على موثق
صدعت به والورى في عماء فحفّت بمجدك جند السماء
ورفَّ عليك لواء الثناء وفي الحشر للحمد ذاك اللواء
على غير رأسك لم يخفق
وحين عرجت لأسما مقام وأدناك منه إله الأنام
أصبت بمرقاك أعلا المرام وعن غرض القرب منك السهام
لدى قاب قوسين لم تمرق
وقدمًا بنورك لمّا أضاء رأت ظلمة العدم الإنجلاء
فمن فضل ضوئك كان الضياء لقد رمقت بك عين العماء
وفي غير نورك لم ترمق
أضاء سناك لها مبرقًا وقابل مرآتها مشرقًا
إلى أن أشاع لها رونقًا فكنت لمرآتها زيبقًا
وصفو المرايا من الزيبق
بك الأرض مدّت ليوم الورود وأضحت عليها الرواسي ركود
وسقف السما شيد لا في عمود فلولاك لاانطمَّ هذا الوجود
من العدم المحض في مطبق
ولولاك ما كان خلق بعود لذات النعيم وذات الوقود
ولا بهما ذاق طعم الخلود ولا شمّ رائحةً للوجود
وجود بعرنين مشتنشق
ولو لم تجدك لمولوده أبًا أُمُّ أركان موجوده
إذًا عقمت دون توليده ولولاك طفل مواليده
بحجر العناصر لم يبغق
ولولاك ثوب الدجى ما انسدل ونور سراج الدجا ما اشتعل
ولولاك غيث السما ما نزل ولولاك رتق السماوات وال
أراضي لك الله لم يفتق
ففيك السماء علينا بنى وذي الأرض مدّ فراشًا لنا
فلولاك ما انخفضت تحتنا ولولاك ما رفعت فوقنا
يد الله فسطاط إستبرق
ولا كان بينهما من ولوج لغيث تحمل ماءً يموج
ولا انتظم الأرض ذات الفروج ولا نثرت كفّ ذات البروج
دنانير في لوحها الأزرق
ولاسير الشهب ذات الضياء بنهر المجرّة ربّ العلاء
ولم ينش نوتي زنج المساء ولا طاف من فوق موج السماء
بسيطة أيدي الحيا المغدق
ولولاك ما فلّت الغاديات بأنمل قطر نواصي الفلاة
لا الرعد ناغى جنين العضات ولا كست السحب طفل النبات
من اللؤلؤ الرطب في بخيق
ولا صدغ آس بدا في ربى على خدّ ورد غدا مذهبا
[ ١٧٥ ]
ولا رنحت قدّ غصن صبا ولا اختال نبت ربىً في قبا
ولا راح يرفل في قرطق
أفضت نطاف ندىً دافقات بها اخضرَّ عرس رجا الكائنات
فلولاك ما سال وادي الهبات ولولاك غصن نقي المكرمات
وحقّ أياديك لم يورق
لك الأرض أنشأ علاّمها وقد نصبت بك أعلامها
فولالك لم تنخفض هامها وسبع السماوات أجرامها
لغير عروجك لم تخرق
ولولاك يونس ما خلّصا من الحوت حين دعا مخلصا
وعيسى لما أبرأ الأبرصا ولولاك مثعنجرٌ بالعصا
لموسى بن عمران لم يفلق
ولا يوم حرب على الشرك قاظ بسيف هدىً مستطير الشواظ
ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ ولولاك سوق عكاظ الحفاظ
على حوزة الدين لم تنفق
بحبل الهدى كم رقاب ربقت وكم لبني الشرك هامًا فلقت
وكم في العروج حجابًا خرقت وأسرى بك الله حتّى طرقت
طرائق بالوهم لم تطرق
لقد كنت حيث تحير العقول بشأو عُلىً ما إليه وصول
فأنزلك الله هاد رسول ورقاك مولاك بعد النزول
على رفرف حفَّ بالنمرق
لك الله أنشى من الأُمّهات كرائم ما مثلها محصنات
ومذ زوّجت بالكرام الهدات بمثلك أرحامها الطاهرات
من النطف الغرّ لم تعلق
لحقت وإن كنت لم تعنق لشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدمًا مدى الأسبق فيا لاحقًا قطُّ لم يسبق
ويا سابقًا قطُّ لم يلحق
خلقت لدين الهدى باسطًا لنا وبأحكامه قاسطًا
وحيث صعدت عُلىً شاحطًا تصوّبت من صاعد هابطًا
إلى صلب كلّ تقي نقيّ
هبطت بأمر العليّ الودود إلى عالم عالم بالسعود
ونورك سام لأعلا الوجود فكان هبوطك عين الصعود
فلا زلت منحدرًا ترتقي
فلمّا وصلت إليه هذه القصيدة متحلّية بهذا السمط كتب إليّ بهذه المقطوعة يشكرني على ذلك:
لقد أبد السيّد المرتقي بتسميطه ذروة الأبلق
وفاه بما فيه لا فضَّ فوه لبيد الفصاحة لم ينطق
وبرَّز في حلبة غيره إليها وإن طار لم يسبق
وقلّد أبكار شعري حلىً تباهي الكواكب في الرونق
كأنَّ انحلال نظامي لديه من الربط كان على موثق
فقيد منه نحور الشطور فها هي للحشر لم تطلق
وأدناه منه وأحنى عليه حنو الشفيق على المشفق
وحيدر في فتكه ما سواه إذا ماادّعى الفتك لم يصدق
غدًا باقرًا البطون الفنون فأظهر منها الصريح النقي
ومن فكره الحسن العسكري عليها لقد كرَّ في فيلق
تسامي فطال على واستحال من الباقيات على مابقي
فمن ذا يجاريه وهوالخضم وفي لجّة منه لم يغرق
إذا صال أو جال يوم النضال فمن ذا يحامي ومن ذا يقي
بنار قريحته ذهنه عجبت له كيف لم يحرق
ومن لطفه كيف لا يستطير ومن صفوه كيف لم يبرق
ومن لينه كيف لا ينثني ومن ريعه كيف لم يورق
ومن أُفقه كيف لا يستنير ومن برجه كيف لم يشرق
وفي ريّه كيف لا يرتوي وفي ريّه كيف لم يعبق
على رقعتي صال تخميسه كما صال رخٌّ على بيدق
فهل بالغ من بليغ مداه وقد جاء بالمفحم المفلق
على نسق مثل تنسيقه بنان التصوّر لم تنسق
تخلّق في خلق لو يقال بطيب الخلوق به أخلق
تملّك حرَّ الكلام الرقيق فمن رقّه قطُّ لم يعتق
له مزبرٌ يرو عن ذي الفقار إذا هو أجراه في مهرق
ومنه الصرير يحاكي الصليل فيخبر عن غزوة الخندق
ويصعد للأوج منه الصريف فيسمعنا نغمة الموسقي
ومن نعت خير الورى جدّه تحدّى لما فيه لم يلحق
هو اليوم مثلي به يحتمي وفيه غدًا من لظى نتّقي
فلا زال والفضل يرنو إليه بألحاظ ذي صبوة شيّق
به أهل حلّته تستطيل على آل كيوان في جلّق
[ ١٧٦ ]
ومن ذلك ما نظمته في مدح علم المفاخر ومعدن المآثر، غصن الدوحة الطيّبة من آل عبد مناف السيّد سلمان أفندي نقيب الأشراف، وذلك بمدينة السلام بغداد سنة ١٢٩٥.
بني العشق ما أحلى إلى كلّ عاشق طلًا لمشوق زفّها كفُّ شائق
ولم أر في الأحشاء ألطف موقعًا وأرشق من نبل العيون الرواشق
وأغرق أهل الحب في الحبّ مهجة بكلّ غرير في المحاسن فائق
أضنّهم حتّى على لحظ عينه بما احمرَّ من ورد بخدّيه رائق
وما العمر عندي كلّه غير ليلة يبيت رهيف الخصر فيها معانقي
ترفُّ على صدري خوافق فرعه رفيف حشًا منّي على الشوق خافق
كأنّ الثريا طوّقته هلالها ومن حسدت مدّت له كفّ سارق
من الريم لم يألف سوى الرمل ملعبًا ولم يرتبع إلاّ بأحناء بارق
ونشوان من مشمولة الدلّ قدّه أرقّ من الغصن انعطافا لوامق
مورد ما بين العذارين زارني فنزّه أحداقي بورد الحدائق
وقلت وقد أرخى على الخدّ صدغه لقد سلسل الريحان فوق الشقائق
أُقبّل طورًا ورد خدّيه ناشقًا عبير شذًا ما شقَّ عرنين ناشق
وألثم طورًا ثغره العذب راشفًا سلافة خمر لم تدنّس بذائق
خلوت وما بي ريبة غير نظرة تزوّدتها منه بعيني مسارق
وراودته لكن من الثغر قبلة ألذَّ وأشهى من غبوق لغابق
وأعرضت عمّا دون عقد إزاره عفافًا وقد زالت جميع العوائق
وحسبك منّي شيمة قد ورثتها عن الغالبين الكرام المعارق
خليلي ما للكأس كفّي ولا فمي ولا كبدي للناهدات العواتق
نسبت ومابي يعلم الله صبوة ولا اجتذبت أحشاي بعض العلائق
عشقت ولكن غير جازية المها وما العشق إلاّ للمعالي بلائق
خذا من لساني ما يروق ذوي النهى ويترك أهل النظم خرس الشقاشق
مديحًا له تجلو مفارقها العلى و"سلمان" منها غرّة في المفارق
وقورٌ على الأحداث لا تستخفّه إذا طرقت في الدهر إحدى البوائق
ومن كعليّ القدر كان أبًا له يزن بحجاه راسيات الشواهق
نقيب بني الأشراف أعلى كرامهم عمادًا وأسناهم فناءً لطارق
فما قلبت أُمُّ النقابة قبله ولا بعده في مثله طرف رامق
فتىً إن سرى يومًا لإحراز مفخر فليس له غير العلى من مرافق
لقد غدت الدنيا عليه جميعها مغاربها تثني ثناء المشارق
تطرّق أُمّ المجد في بيت سؤدد يظلّل عزًّا بالبنود الخوافق
فأنجب من سلمان وهو ذكا العلى ببدر نهى يجلو ظلام الغواسق
همامٌ نمته دوحة نبويّة إلى مثمر في المجد منها ووارق
يعدُّ رسول الله فخرًا لمجده وحسبك مجدًا في الذرى والشواهق
تضوع بعطفيه السيادة مثلما تضوّع عرف المسك طيبًا لناشق
به اقتدحت زند النجابة هاشم ففي وجهه من نورها لمع بارق
سما في المعالي طالبًا قدر نفسه إلى شرف فوق الكواكب باسق
وفات جميع السابقين إلى العلى فقصّر عن إدراكه كلّ سابق
وقالوا رويدًا حكَّ عاتقك السهى فقال وهل قدر السهى حكُّ عاتقي
تمنطق طفلا بالرياسة واحتذى بأخمصها تيجان أهل المناطق
إليكم ملوك الأرض عن ذي سرادق تجمّعت الدنيا به في السرادق
تقبّل أهل الفخر أعتاب داره فيأرج منهم طيبها في المفارق
فداء مفاتيح الندى من بنانه أكفّ على أموالها كالمغالق
تعلّل راجيها إذا اسودَّ ليله بكاذب وعد فجره غير صادق
نديّ بنان الكفّ في كلّ شتوة يجفّ بها ضرع الغيوم الدوافق
فحيث يشيم المجدبون بوارقًا تمنّوا نداه غيث تلك البوارق
وضيء المجالي والمعالي كليهما وعذب السجايا والندى والخلائق
أخف عل يالأرواح طبعًا من الهوى ولكنّه في الحلم هضبته شاهق
فما طلعة البدر المنير مضيئة كطلعته الغرّاء في كلّ غاسق
مهيبٌ فلولا ما به من تكرّم لما لمحته رغبة عين رامق
[ ١٧٧ ]
فما هيبة الضرغام دون عرينه كهيبته القعساء دون السرادق
تضايقت الدنيا ببعض فخاره على أنّه فرّاج كلّ المضائق
يضيق فضاء الأرض في رحب صدره إذا هي غصّت بالخطوب الطوارق
من الفاطميين الذين تراضعت قناهم طلا الأعداء في كلّ مازق
هم توّجوا هام الملوك ببيضهم وداسوا على أنماطهم بالسوابق
إذا نزلوا كانوا ربيع بني المنى وإن ركبوا كانوا حماة الحقائق
تعانق فوق الخيل عالية القنا عناق سواها الغيد فوق النمارق
هم القوم ما في الشيخ منهم لكهلهم وما منهم في كهلهم للمراهق
وهذا ابنهم سلمان والفرع طيبه يجيء على مقدار طيب المعارق
إذا مسحت منه العلى وجه سابق جلت من أبي محمود غرّة لاحق
فتىً علمه يحكي غزارة جوده وما علم قوم غير محض التشادق
لقد قوّمت منه الإصالة رأيه فكان لفتق الدهر أحزم راتق
ومنطيق فضل لو يشاء لسانه لفلَّ حدود الفاصلات البوارق
يحاكي بقطع الخصم أسياف قومه فيمضي مضاها في الطلا والمرافق
ويطعنه في قلبه بنوافذ نفوذ قناهم في قلوب الفيالق
أباالمصطفى أرغمت أنت وذوالنهى شقيقك في العليائ شمّ المناشق
لقد زنتما جيد العلى من بنيكما بسمطي فريد في العلى متناسق
فياقمرًا سارت بذكر علائه نجوم القوافي في سماء المهارق
إليك تعدّت فكرتي كلّ فكرة لما لم يكن فيه مجال لحاذق
فجاءت من القول الذي انفردت به بآيات نظم أفحمت كلّ ناطق
سلمت على الدنيا وفخرك مشرق يضيء ضياء الشمس في كلّ شارق
لك الدهر عبد لا يرى المجد عتقه ولا هو يلوي عنكم جيد آبق
واتّفق لي مع ذلك الماجد زعيم الزوراء ونعيمها، والمحرز طريق المكارم وقديمها، نقيب الأشراف ببغداد السيّد سلمان أفندي خلّد الله مجده ما لو ظفرت بلئالئه الحور، لزيّنت به النحور، ووشحت به الحضور، فمنه أنّي وردت بغداد في سنة ١٢٩٥ فلمّا حللت بنادي جوهرة الزمن، الفاضل الماجد الشيخ محمّد الحسن خلف الخلف الصالح نشر الله فضله، وطوى بالإعدام من حاسده ظلّه، بلغني أنّ السيّد المذكور يتشوّق إليّ كثيرًا، فنظمت هذه الأبيات وأرسلتها إليه برسم الهديّة.
سبقت الورى مجدًا يدوم بلا حدّ فكان بلا قبل ويبقى بلا بعد
خلقت كما شائت نقيبتك التي أتاها الندا كوني فكانت بلا ندّ
وجئت إلى الدّنيا كما اشتهت العلى تعيد من المعروف أضعاف ما تبدي
وتبسط أندى من أديم غمامة بناتًا يعلّمن الحيا كيف يستنجدي
وفي القوم من يغدو به مستميحه كمستقطر ماءً من الحجر الصلد
يقولون في الدنيا بنت دارك العلى فقلت بل الدنيا بها بنيت عندي
كذبنا فذا رضوان بشرك مخبر يحدّث عنها أنّها جنّة الخلد
فمنك المزيّا قد تقسّمن فردها وأعجب شيء قسمة الجوهر الفرد
ألست من القوم الذين وليدهم يرشّح طفلًا للعلى وهو في المهدى
فما حضنوا إلاّ بحجر نقابة ولا رضعوا يومًا سوى حلم الرشد
فيا قمم الأعداءللأرض طأطأي ويا عينهم عودي من الجفن في غمد
نضا الله في كفّ النقابة سيفها وقال احتكم ما شئت يا فاصل الحدّ
وهبتك أبصار العدى وقلوبها فدونك ما تختاره من ذوي الحقد
وممّا يعير الأرض فخرًا على السما وببهي الحصا فيها على أنجم السعد
بيوتٌ بها قد أودع الله منكم أطائب ما استصفاه من عترة المجد
لكم أذن الله العظيم برفعها وأنتم مصابيح بها الناس تستهدي
لوجهك قد صلّى بها المدح والثنا لأنّك فيها قبلة الشكر والحمد
[ ١٧٨ ]
فأمّا قولي فيها: يوقولن في الدنيا بنت دارك العلى الخ، ففيه العقد وهو نظم الكلام المنثور، ويقابله الحل، وهو نثر المنظوم وكلاهما من محسناة الكلام. وقد عقدنا كلمات منثورة لأبي العينا، وذلك أنّه دخل على المتوكل وهو في قصره المعروف بالجعفري، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال أبوالعينا: الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.
ومنه إنّي نظمت فيه هذين البيتين وأرسلتهما إليه:
لقد قلت للأرض ادّعت بنجومها عليك السما فخرًا فقالت أجيبها
لئن هي بالأشراف منها تزيّنت فما الفخر إلاّ حيث حلّ نقيبها
ومنه ما جرى لي مع أخيه فريد الزمان، وجمال العصر والأوان السيّد عبد الرحمن أفندي دام مجده، وذلك أنّه بعث إليّ الحاج مصطفى آل كبّه أن يرسل له كتاب نهج البلاغة وقصيدة الرضي المقصورة التي قالها في رثاء الحسين ﵇، فأرسلهما، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجد المقصورة تامّة فأرسلها وسالني أن أكنت معها عن لسانه شيئًا، فقلت:
يا من تفرّع من ذوابة معشر غدت النقابة منهم في آلها
هذي بديلة أختها المقصورة الأُولى أتتك تفوقها بكمالها
فلمّا وصلت إليه أرسل أبياتًا يلتمس من الله بها نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، وسألني تشطيرها وتخميسها وهي هذه:
يا إله الخلق يا بارئنا نحن في الضيق فكن عونًا لنا
وانصر الغازين وارحم حالهم وتلطّف بهم في ذا العنا
فهم المفدون أرواحهم وهم الموفون فرضًا بيّنا
فأجزهم خيرًا وضاعف أجرهم أنت فيّاض العطايا والغنى
واخذل الكفّار واخرب دارهم واهلكنهم واشف فيهم قلبنا
فنشطت لما ندبني إليه وأنا معترف بأنّ له المنّ عَلَيّ لا لي المنّ عليه، لأنّه لمّا دعاني للأخط بخطي من الإنتظام، في سلك الداعين بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجند المسلمين، المرابطين في سبيل الله في جهاد الكافرين، وقلت:
وما فاتني نصرهم باللسان إذا فاتني نصرهم باليد
ثمّ شطرت فقلت:
"يا إله الخلق يا بارئنا" لك نشكوا اليوم ما حلَّ بنا
كظّنا حشد الملمّات فها "نحن في الضيق فكن عونًا لنا"
"وانصر الغازين وارحم حالهم" فلقد أبلوا بلاءً حسنا
حيث عانوا فيك ما عانوا فجد "وتلطّف بهم في ذا العنا"
"فهم المفدون أرواحهم" ليقوا فيها الهدى والسننا
لك قد دانوا فمن يفضلهم "وهم الموفون فرضًا بيّنا"
"فأجزهم خيرًا وضاعف أجرهم" واجعل النصر بهم مقترنا
ومن الفيء فوفّر حظّهم "أنت فيّاض العطايا والغنى"
"واخذل الكفّار واخرب دارهم" وأبحنا أرضهم والقنّنا
قد تشفّوا فادلنا منهم "وأهلكتهم واشف فيهم قلبنا"
ثمّ قلت مخمّسًا:
نشأت نكباء يا ذارئنا إن تذرها أهرمت ناشئنا
خذ بأيدينا وكن كالئنا يا إله الخلق يا بارئنا
نحن في الضيق فكن عونًا لناواخذل الكفّار واشغل بالهم وأبحهم واخترم آجالهم
واصطلمهم ليروا أعمالهم وانصر الغازين وارحم حالهم
ووتلطّف بهم في ذاالعناقوموا للحرب أشباحهم ثمّ باعوا الكرب أفراحهم
فزد اللهمّ أرباحهم فهم المفدون أرواحهم
وهم الموفون فرضًا بيّناعنهم ضع يا إلهي أسرهم وبنصر منك فاشدد أزرهم
محّضوك اليوم حقًّا صبرهم فأجزهم خيرًاوضاعف أجرهم
أنت فيّاض العطايا والغنىفي حمى الأشراك أوقد نارهم واقتسارًا ولهم أدبارهم
ولئلاّ يخذلوا كن جارهم واخذل الكفّار واخرب دارهم
واهلكنهم واشف فيهم قلبناثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه وهي هذه:
"ممّن وقع منه طائر القلب حيث يلتقط الحُب لا الحَب"
إلى فتىً من قبيلة آبدًا قبيلة في الفخار واحدها
لم تنمه هاشم لذروتها إلاّ وغيظًا يموت حاسدها
[ ١٧٩ ]
جلا على الطرس من فرائده عروس فكرّ زهت فرائدها
خلوقها من شذا حجّاه ومن جوهر ألفاظه قلائدها
قد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالا، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا، تجرّ تلك الأذيال، على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الجلال آياته الباهره، واستغرقت من الصب حواسه الخمس بما أقامه في مقام الذهول فجدير أن يتلى عليه فإذا هم بالساهره، وحيث أنّ الداعي وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، بادر إلى الإمتثال، راجيًا أن ينظمه القبول في سلك من حظي بالإقبال، عقد الله عزّ ذلك الجناب بناصيته الدهر، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتبار مفارق الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاء للبريّة شامل.
فكتب إليّ جوابًا أبدع فيه وأغرب في تقريض التخميس والتشطير المذكورين، وجاء في آخره قوله: ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنيّ فصاحتك، وعَلَيّ بلاغتك قد صرت غريق بحار الحيرة لا أدري كيف أؤدّي شكرك، وبأيّ لسان أصفك فأكافي فضلك، بما تنزّلت له العزم وشددت حيازيم الهمّة ونقلت الأقدام، لأداء هذا المرام، قصر بي ضعف قوى الفكر، وعيّ اللسان، وضيق الجنان، وكبّوا أدهم القلم في هذا الميدان، لعلوّ شرفك الذي لا يبارى، ووفور محاسنك التي لا تجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكليّة إخلال بالواجبات، لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناء على أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه أقول، وليس سواء عالم وجهول: لأشكرنّك شكرًا يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرّ الجديدان، وتعاقب الملوان.
فأجبته عن هذه الرسالة، بهذه العجالة وهي: لاطفت الصب جميلة برّك، وتلطّفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك، قد زارت محبًّا رفعها على الأحداق، واجتنى في لثم محاسنا ثمرات الأوراق، ثمّ حلّ عنها النطاق ببنان فكره المتأمّل، ونضى عنها أبرادها الرقاق إلاّ لبسة المتفضّل، فوجدها آخذةً بأطراف النباهة في الفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح.
لي العذر كلَّ لسان القلم وجفَّ بما فوق طرسي رسم
وعندي ولا عربي سواه لسان بهذا المقال انعجم
أكلّفه نعت سعد السعود ومن للثريّا به وهو فم
وغاية وصفي له أن أقول يا علمًا ويقلّ العلم
هو البدر لكنّه للكمال وبدر السما بين نقص وتم
من الماثلين بصدر النديّ رزان الحلوم رزان القمم
فيامن إذا غاب قال الحضور وإن حضر القول كلُّ إرم
مننت ابتداء بدرّ المقال ويا بحر بالطبع منك الكرم
نعم حقّ لي فيك شكر الزمان فحسن اعتنائك أعلى النعم
ولكن عجزت فمالي يد بما يستقلّ بهذي الحكم
هذا والرجالء إسبال ستر التكرّم، والإغضاء على عيوب هذه الألوكة كما هو شأنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.