[ ١٩٠ ]
لمّا توفّي الماجد الصالح محمّد نظمت هذه القصيدة معزّيًا بأبيها ولديه المصطفى والحسن وكانت قد ألمت أسباب قد اقتضت تأخّرها شهرًا كاملًا فكتبت أمام القصيدة هذه المقدّمة الفريدة كالإعتذار عن التأخير وقرأتا معًا في محفل الرثاء، وهاهي المقدّمة:
وقفت على الزوراء وهي يتيمة تحنُّ لمن أبقى المعالي ثواكلا
فتنعاه طورًا للفواضل والنهى وطورًا له تنعى النهى والفواضلا
قد شقّت بيد المصاب جيبها وردائها، حين أخذت رجفة الحزن أحشائها، وجزت بمدية الجزع ناصيتها ولمتيها، وبادرت حثو التراب على رأسها بكلتا يديها، وغسل الدمع من عينها سوادها، فصبغت فيه أبرادها، وبرزت في محفل النياحة، معولة يا عظيم المناحة، موحشة العيوس والتقطيب، معلنةً بالبكاء والنحيب، ما ترائت للعيون ماثله، إلاّ وأنشأت قائلة:
بكائي بعيني لم يكفيني لمن قطع الدهر فيه وتيني
فليت توزع دمعي الأنام لأبكي عليه بكلّ العيون
وهي في نعاء قلق الدهر من ضجّته، وبكاء غرق الصبر في لجّته، فحين رأيت خطبها عظيما، وشاهدت كربها جسيما، مسكت بكفّي رواجف صدري، وطفقت أسألها على سبيل تجاهل العارف كأنّني لست أدري:
فقلت على من رنّة النوح والبكا فقالت عَلَى من لا نرى الدهر مثله
أليس أبي ذاك الذي تعهدونه طوت نوب الأيّام عنّي ظلله
فقلت وعندي من فؤادي بقيّة خذي بأيد الآخران قلبي كله
فما ينطبع في مرآة فكري، ولا يرتسم في لوح صدري، أن يروع قلبي ما بقيت صوت ناعيه، بعد أن ملأت سمعي رنّة هذه الواعة، التي ضرب فيها بازل الحزن بجرانه على صدر رباحة الكرم، وانقصمت من إلقاء كلكله عليها فقارة ظهر الشرف الأقدم، ورباع السؤدد أضحت فيها ثميلة الدمع محلولة الوكاء، بعد ما كانت مطلولة الربع بمخيلة السخاء، وعاد رواق المجد محفلًا للنوح والرثاء، بعد ما كان محلًاّ للمدح والثناء.
عادت مراث تهنيات العلى ينصدع القلب بإنشادها
قد رحل اليوم سرور الورى فلتلتمسه يوم ميعادها
قد دفنت تحت الثرى عيدها وأبقت النحر لأكبادها
فلا ازدهاها يوم نيروزها ولا أتى الفطر بأسعادها
وبمن تسر، أو تسعد مابقي الدهر، والذي كانت عيالًا عليه، وعين رجائها ممدودة إليه، قد أدرج والتقى في طاهر برده، ووسّد والصلاح في لحده، ولقد هممت أن أعقل لسان هذه الثاكلة، وأواري شخص هذه النائحة الماثلة، لتأخّر زمانها، وعدم مبادرتها كأمثالها من أترابها وأخدانها، ولقولهم "إذا قدمت المرزية سمجت التعزية" فقالت: لا واد معك الغزار، لا يقر لي قرار، دون أن أنوح عليه بما يكون كالمثل السائر، في نعوت فلك مصابه الدائر، أبتلك المراثي يناح دوني عليه، فتكون كفاءً لعظيم مصابه، وإن تقدّمتني إليه، فإليك عنّي إنّ الكلم رحيب، وما المصاب كمن يؤمّل أن يصيب، وربّ نائحة وسواها المستعبرة، "وليست الثكلى كالمستأجرة"، على أنّ كلّ يوم يمرّ من بعده، ولا يرى فيه فهو يوم فقده، وأمّا وأخلاقه الزاهرة، وتربة مرقده الطاهرة، التي لا يزال فيها نسيم الرحمة والرضوان، يهب أطيب مهب، فيحلب فيها سحائب الغفران، وإن لم يكن هناك ذنب لأن تركت لي عناني، وأطلقت في ميدان القول لساني، لأنوحنّ عليه نياحة ترجف منها الأرض بأوتادها، وتمزق عليها الدنيا أحشائها قبل أبرادها، ولأدعنَّ ساعة قيامي بها تشبه قيام الساعة، حتّى يحطم الدهر صدره وأضلاعه، وتقول للخنساء أين أنت منها، ويا بنة الأرا خلفك عنها، فخلعت عنها عذارها، وتركت لها مضمارها، وأوسعت لها من مجالها، فافتتحت في عتاب الدهر براعة استهلالها:
يا دهر ما شئت فاصنع هان ما عظما هذا الذي للرزايا لم يدع ألما
رزءٌ تلاقت رزايا الدهر فاجتمعت فيه فهوَّن ما يأتي وما قدما
ما بال أُمّ الليالي فيه قد حملت فليتها وأبا أيّامها عقما
لقد تحكّم في الدنيا فنال بها من النواظر والأحشاء ما احتكما
عجّت ولا كعجيج الموقرات به وهل تلام وهذا ظهرها انقصما
مضى الذي طبّقتها كفّه نعمًا فطبّقتها الليالي بعده نقما
الآن غودرت الآمال حائمة وأين في الدهر منها من ببلُّ فما
[ ١٩١ ]
وقبّة المجد قد مالت ولا عجب فإنَّ أثبت أركان العلى انهدما
فلينتظم مأتمًا عمر الزمان لمن بالصالحات جميعًا عمره انتظما
ولتحتلب عينها الدنيا لمن يده كانت حلوبة جود تقتل الأزما
وكيف تسئم من دمع تتابعه ومن متابعة النعماء ما سئما
في الكفّ ما زرعت حسن الرجاء له إلاّ وأمطرها من كفّه كرما
يا آخذًا كلّ قلبي في ملامته دع الملام وشاطرني الدموع دما
واقرع بلومك سمع الدهر حيث أتى برنّة تركته يشتكي الصمما
طويت من يستظلّ المعدمون به فليت يا دهر قسرًا ظلّك انهدما
هل يعلم الزمن الغدّار لا علما ماذا به هجم المقدار لا هجما
فأيُّ رزء يايّ الناس يكبر في صدر الأنام سوى هذا الذي دهما
أفي ذوي الحلم فالثاوي زعيمهم أم في بني فالعلم الثاوي أبوالعلما
أم في الأنام جميعًا فالذي افتقدوا هو الذي جمعت أبراده الأُمما
بل كلّ ميّت له ثلم بحوزته لكنَّ في موته الإسلام قد ثلما
قام النعيُّ على دار السلام له فقلت بعدك ليت الكون لا سلما
مازال بشرك بالعافين ملتمعًا حتّى تحوَّل في أحشائهم ضرما
وإن بكتك فلا منٌّ عليك لها بمآء جودك جاري جفنه انسجما
هذي الدموع بقايا ماء عيشهم من فضل ما كنت توليهم عليك همى
إن لم تفظ بك عن وجد نفوسهم فسوف بعدك عن قرب تغيض ظما
يا راحلًا ولسان الحال ينشده وللمقال لسان بالأسى انعجما
واهًا أباالمصطفى ماذا يقول فمي وما البلى منك أبقى للجواب فما
الموت حتم وإن كان المنى لك أن تبقى ولو جاوزت أيّامك الهرما
وددت يومك لم يجر القضاء به لو كان للوح أن يستوقف القلما
حتّى تفرّج غمّاء الجدوب كما فرّجت من قبلها أمثالها غمما
ماذا يراد بأهل الأرض فابتدرت دهياء يوشك أن تستأصل النسما
أشاءَ ربّك إرسال العذاب بها لما جنوها ذنوبًا تهتك العصما
فغيض الماء من أنهارها وطوى بالموت شخصك عنها والحيا انعدما
مشت بنعشك أهل الأرض تحمله فخفَّ حتّى كأن لم يحملوا علما
وما دروا رفعته من كرامته أهل السماء على أكتافها عظما
لم يرفعوا قدمًا إلاّ وقد وضعت من قبلهم غرُّ أملاك السما قدما
كأنَّ نعشك محمول به ملك وخلفه العالم الأعلى قد ازدحما
ساروا به وسماء الدمع ترسلها لك النواظر مدرارًا ولا سئما
وعبَّ حين التقى ماء العيون على أمر نزا منه قلب الدهر واضطرما
فكنت نوحًا وكان الفلك نعشك وال طوفان فائر دمع أغرق الأُمما
إن يحملوك على علم فما حملوا إلاّ الركانة والأخطار والهمما
أو يدفنوك على علم فما دفنوا إلاّ المحاسن والأخلاق والشيما
أو ينفضوا الكفّ من ترب به دفنوا ميتًا فتربك بالأفواه قد لثما
كأنّ قبرك فوق الأرض نجم سما أو أنّه في ثراه حلَّ نجم سما
يا نازلًا حين لا صوتي يلمُّ به عليك أُمّ المعالي جزت اللمما
وقفت بعدك في الزوراء أنشدها أين الذي كان للاجين معتصما
وأين من يزهر النادي بطلعته للزائرين ويجلو عنهم الغمما
ومن بنى لقرى الأضياف دار علىً عمادها الفخر فيه طاولت إرما
ومن تردُّ جميع المشكلات له إذا القضيّة أعيى فصلها الحكما
وأين للشتوة الغبراء من كرمًا ما قطّب العام إلاّ ثغره ابتسما
وأين من كان للعافين يلحفها جناح رحمته ما دهرها أزما
لا فرق مابين أقصاها إذاص نسبًا عنه ومابين أدناها له رحما
وأين من ليتامى الناس كان أبًا في برّه قد تساوت كلّها قسما
في فقد آبائها لليتم ما عرفت لكنّها عرفت في فقدك اليتما
أحببت في الله كتمان الصنيع ولا يزداد إلاّ ظهورًا كلّما كتما
من كان يحلف إن لم يعتلق أبدًا إثمٌ بردك لم يحنث ولا أثما
[ ١٩٢ ]
إلاّ وقتك حشا العافين صائنة ولا وقاء إذا رامي القضاء رمى
وهل توفيك شكر المنعمين وقد طوقت حيًّا وميتًا جيدها نعما
بالأمس وجهك تستسقى الغمام به واليوم قبرك تستسقى به الديما
يا غائبًا ما جرت في القلب ذكرته إلاّ ترقرق دمع العين وانسجما
لا غرو إن يعقد الإسلام حوزته جميعها مأتمًا يوري الحشا ضرما
فالثاكل الدين والمثكول شخصك وال ناعي الهدى والمعزّى خاتم العلما
محمّد حسنٌ نظم الثناء له فقلَّ في سلك تقواه من انتظما
سقت ضريحك من جدواك واكفة وطفاء ترضع دارًا ما الحيا فطما
أُعيذ قلبك أن يهفو به حذر على المكارم أو يغدو لها وجما
طب في ثرى الأرض نفسًا لا النديُّ خلا من الوفود ولا عهد الندى انصرما
وأنت يا حرم المجد المنيف علىً لا راعك الدهر واسلم للعلى حرما
إن يوحشنّك ما من بدرك انكتما فليؤنسنّك من نجميه ما نجما
لولا ابنه المصطفى للجود قلت شكت من بعد إنسانها عين الرجاء عمى
ندب به فتح المعروف ثانيةً من بعد ما بابيه أوّلًا ختما
من يلقه قال هذا في شمائله محمّد صالحٌ إن يغتدي علما
حلو الخلائق في جيل لهم خلق لو مازج الكوثر الخلديّ ما طعما
المشتري الحمد والأشراف أكسبها لجوهر الحمد أغلاها به قيما
لو قال قوم نرى في الجود مشبهه لقلت هاتوا وعدّوا العرب والعجما
أستغفر الله إن شبّهت أنمله بالقطر منسجمًا والبحر ملتطما
نعم حكاه أخوه من به ظهرت مخائل من أبيه تفضح الديما
محمّد وكفى أنّ الزمان لنا عن منظر حسن منه قد ابتسما
إذا بدا سمت الألحاظ ترمقه تخاله بهلال العيد ملتثما
من لفظه العذب إن شئت ألتقط دررًا أو فاقتطف زهرًا أو فاقتبس حكما
فاهتف بمن مات من الأهل العلاء وقل لولا الردى لافتضحتم فاشكروا الرجما
أمات نشرُ مساعيه مساعيكم حتّى انطوت مثلكم تحت الثرى رمما
فلو رآه زهيرٌ في شبيبته إذًا لفداه واختار الفدى هرما
من دوحة ما نمت إلاّ غصون علىً وكلّ غصن بماء المكرمات نما
يا أسرة المجد لا زلتم بأسركم عقدًا على نحر هذا الدهر منتظما
صبرًا بني الحلم إنّ الصبر منزلة حتّى لمن منكم لم يبلغوا الحلما
وحسبكم مصطفى العلياء فهو لكم نعم الزعيم به شمل العلى التئما