أقول: لمّا قدم الممدوح الفاضل الشيخ محمّد الحسن من حجّ بيت الله الحرام في سنة ١٢٩٢ وكنت عازمًا أن أُؤرّخ ذلك العام وأشهد حضرته لتلاوة ما أنشأته من النظام، فمنعني عن ذلك حلول وباء تلك السنة يشبه الطاعون بشدّته وخطبه المتفاقم، وقلت: ما أصدق من قال: عرفت الله بنقض العزائم، فأنشأت هذه الموشّحة اببديعة وأرسلتها إلى حضرته الرفيعة:
عرَّفت ناسكةً ذات اللما فرنت فاتكةً في أضلعي
ولكم بالهدب راشت أسهما فرمت شاكلتي صبري معي
أنشقتني يوم جمع عرفها وعلى الخيف حمتني رشفها
كحل الغنج بسحر طرفها ما رنت للصبّ إلاّ أقسما
ما كذا ترنوا ظباء الأجرع والغواني تدّعي السحر وما
هو إلاّ تحت ذاك البرقع
غادة أقتلها لي كلّها مثلما أحيى لقلبي وصلها
ذات غنج قد سباني دلّها طرقت وهنًا فقالت أجرما
أذرأتني بائتًا في الهجع ونعم يا ريم طرفي هوّما
طمعًا منك بطيف ممتع
[ ١٦٠ ]
دميةٌ نشر الخزامى نشرها بفتات المسك يزري شعرها
كم ليال هي عندي بدرها قابلت فيهنّ مرآت السما
بمحيّاها فقيل انطبعي هي والظبية من واد كما
هي والبدر معًا من مطلع
كلّما ورَّد خدّيها الخجل قطفت ذيّالك الورد المقل
لا تسل عنها وعنّي لا تسل وقفت فاستوقفتني مسقما
وأفاضت فأفاضت أدمعي عجبًا راقبت فيها الحرما
واستحلّت صيد قلبي الموجع
كم قضت في سعيها من منسك ما أضاعت فيه إلاّ نسكي
فلقد عدتُ بقلب مشرك في الهوى يعبد منها صنما
فهو في اللاهين لا في الرّكع ضلّةً يقرؤ قلْ من حرَّما
زينة الله ولمّا يقلع
لست أنسى بالمصلّى موقفًا فيه يرجى العفو عمّا سلفا
إذ بدت أحلى الغواني مرشفا تجرح النسك بلحظ إن رمى
سهمه قرطس قلب الورع وانثنت تطعن في الحجّ بما
قد حوى لين الرماح الشرّع
يا سقى الله ضحيّات النقا وسقاها الروض وشيًا مونقا
كم أرت عيني وجهًا مشرقا وجلت لي من فتاة مبسما
عن شتيت واضح ملتمع قد دعا دمعي ولكن رخّما
فأجابت بعقيق أدمعي
عجبت حين بدت في تربها ورأتني بين صرعى حبّها
ثمّ قالت للتي في جنبها هل وصلن الغيد قبلي مغرما
وسوى الشيب له لم يشفع سنّة ما عملت فيها الدمى
وهي في دين الهوى لم تشرع
لا ومن أودع في خصري النحول ورمى نرجس جفني بالذبول
لست أحيي أشيبًا واسمي قتول للذي ماء الصبا فيه نمى
غصنه من ناشىء أو يفع كلّما استقطرت منه اللمما
قطرت ماءً فبلّت موضعي
قلتُ يا سالبتي طيب الوسن ما لمن تصبى المعنى والسنن
فصلي الصبّ الذي فيك افتتن واجعلي وصلك في هذا الحما
بدعةً جائت كبعض البدع وألمّي كخيال سلما
هوّم الركب فحيّى مضجعي
من رأى خدّيك قال العجب كيف في الماء يشعُّ اللهب
والّتي طاب أبوها العنب بالذي أودعها منك الفما
فغدت أورى لقلب المولع ما الذي من يرتشفه أثما
هي أم فوك فزيدي ولعي
وحديث تتهاداه الربى طاب نشرًا بين أنفاس الصبا
عن بشير جاء يطوي السبسبا تأرج البشرى عبيرًا أينما
حلَّ في الأربع بعد الأربع شعبت شمل العلى فالتأما
ودّعت قلب الحسود انصدع
فادر يا صاحبي كأس الطرب واطرح في كأسها بنت العنب
قم فشاركني بما سرَّ الحسب بشّر المجد وهنّ الكرما
وعلى هذا الهنا بارك معي قد تجلّى كلّ أفق أظلما
بسنا هذي البدور الطلّع
زُهْرُ مجد زَهَرَ الدهر بهم لا خلت أفلاكه من شهبهم
كلّما خفَّ الهوى في صبّهم وعلى المسرى إليهم عزما
ثقلت نهضته في المربع من أمور طاريات كلّما
همَّ ينحو قصدهم قلن ارجع
لك يا عبد الكريم الفرح ولأعدائك زال الترح
وصفت لابن أخيك المنح مصطفى المجد بأزكى من نمى
شرفٌ سام لمجد أرفع كبدور التم تنضوا اللثما
عن ثغور كالبروق اللمع
قرَّ طرف الفخر منها بالحسن ذاك من قرّت به عين الزمن
شخصة والدهر روحٌ وبدن فحياة الدهر لمّا قدما
رجعت للنّاس أحلى مرجع ما براه الله إلاّ عيلما
لبني الآمال عذب المشرع
مذ حوى صدر المعالي قلبها وسماء المجد أبدت قطبها
سبّحت غرّ القوافي ربّها وأتت تهدي إليه أنجما
ما حواها فلكٌ في مطلع دررًا وهي تسمّى كلّما
مثلها ما أنشدت في مجمع
شهدت للمجد أبهى محفل فدعت فخرًا وقالت هوّلي
أيّها القالة مثلي فصلي من فريد المدح ما قد نظما
ثمّ يا صاغة مثلي رصّعي أو فكفّي وأريحي القلما
وبياض الطرس للطرس دعي
هذه الأفناء أفناء الشرف منتدى الآداب فيها والظرف
[ ١٦١ ]
لم يزل للمدح فيها معتكف من يرد يهدي إلى هذي السما
يلتقط من هذه الزهر معي ما وعاها الدهر إلاّ مغرما
قال أحسنت فقرط مسمعي
دار مجد مصطفى الفخر بها كأبيه حلمه من هضبها
فالورى في شرقها أو غربها كلّها تلحظ منه علما
شامخًا هضبته لم تطلع خيرها مجدًا وأعلى منتمى
في العلى من كلّ ندب أروع
يا عرانين المعالي والشرف لكم أهديتها أسنى التحف
كعروس الغيد تجلى وتزف فلها البشر بكم زهوًا كما
لكم البشر بها في المجمع والبسوا الأفراح ثوبًا معلما
عنكم طول المدى لم ينزع
ولمّا ختن ولدا أخ الممدوح الماجد المصطفى وهما عبد الغني ومحمّد سليم نظمت هذه الموشّحة لتهنئة أبيها وعمّها:
نصب العشق لعقلي شركا من جعود كم سبت ذا ولع
ومن اللحظ بقلبي فتكا بسهام ليتها لم تنزع
يا نديميّ على الورد الندي من خدود الخرّد الغيد الكعاب
غنّياني بلعوب بالعشي ليس غير العطر تدري والخضاب
قد حوى مرشفها العذب الشهي شهدة قد لقّبوها برضاب
أطرباني ودعا من نسكا إنّما الجنّة تحت البرقع
في محيّا ذات خدر قد حكى قمر التمّ بأبهى مطلع
علّلاني برشوف ثغرها مرتو خلخالها عطشى الوشاح
غضّة الجيد رهيب خصرها لم تكن تبسم إلاّ عن أقاح
طرّقت زائرة تسترها طرّة في ليلها يعمى الصباح
بتّ لا أجذبها إلاّ اشتكى خصرها ممّا تلوّى ولعي
لفنا الشوق وقال احتبكا بعناق وبضمّ ممتع
غادة قامتها الغصن الوريق فوقه ريحانة الفرع ترف
صدغها والخد آس وشقيق فتروّح وإذا شئت اقتطف
خالها والريق مسكٌ ورحيق فتنشق وكما تهوى ارتهف
نصبت ألحاظها معتركا غير عذريّ الهوى لم يجمع
جفنها في سيفه كم سفكا من دم لولا الهوى لم يضع
معركٌ للشوق كم فيه مقام لأخي قلب من الوجد صديع
وبه كم قلبت أيدي الغرام بين ألحاظ الغواني من صريع
ودعت حوراؤه موتوا هيام فلدينا أجركم ليس يضيع
في سبيل الحب ما قد هلكا فمعي يمسي ومن يمسي معي
كان في جنّة حسني مسلكا أينما مدّ يدًا لم يمنع
أقبلت سكرى ومن خمر الصبا عطفتها نشوة الدلّ عليك
تسرق النظرة من عين الظبا وبلحظ فاتر ترنو إليك
تخذت ماشطة كفَّ الصبا كلّما رجّلت الجعد لديك
نثرت مسكا بذي البان ذكا فسرت نفحته في لعلع
كم تستّرت بها فانهتكا ذلك الستر بطيب المضجع
ونديم لفظه العذب الرخيم كنسيم الورد في رقّته
قبله ما خلت ولدان النعيم بعضها يسرق من جنّته
إنّما آنست يا قلبي الكليم شعلةً في الكاس من وجنته
لا تقل كيف من الكاس ذكا جمرُ خدّيه معًا في أضلعي
فذكًا وهي تحلُّ الفلكا إن تقابل بزجاج تلذع
عدّ عن ذكرك ربّات الخدور واعدلي ذكر أرباب الحسب
وادر راح التهاني والحبور للندامى واطرح بنت العنب
فصبا الأفراح عن نور السرور فتحت يا سعد أكمام الطرب
والعلى والمجد بشرًا ضحكا في سرور قال للسعد أسطع
إن يكن قطعًا ففيه اشتركا بسرور ليس بالمنقطع
طاولوا الشمَّ بني الشم الرعان والبسوا الفخر على طول السنين
ما أتمّ المجد فيكم فالزمان منكم العليا به في كلّ حين
لم تلد إلاّ غنيًّا عن ختان وسليمًا من زيادات تشين
كلّكم في منبت العزّ زكا وكطيب الأصل طيب المفرع
من نرى منكم نخله ملكا قد ترائى بشرًا في المجمع
لكم البشرى ذوي الفخر الأغر بسليلي أكرم النّاس قبيل
لست أدري أفهل أنتم أسرّ بهما اليوم أم المجد الأثيل
وهل العلياء عيناها أقرّ بهما أم عين ذي الرأي الأصيل
مصطفى المعروف من لو ملكا حوزة الأقطار لم تتّسع
[ ١٦٢ ]
لأياد كم بها قد سمكا من سماء لعلاه أرفع
إن أقل يا بدر مجد زهرا وبزعمي غاية المدح بلغت
قال لي البدر كفاني مفخرًا فبتشبيهك لي هذا مدحت
أو أقل يا بحر حود زخرا قال لي البحر لماذا بي سخرت
قست من لو رام فخرًا لاتّكى وكفى عنّي بصغرى أصبع
كم بها نجل غثيًا فبكى وغدا ينحب بالرعد معى
واحدٌ في كلّ فضل منفرد بمزايًا في الورى لم تكن
حلف الدهر به أن لا يلد للعلى مثلًا له في الزمن
لا تخلها حلقةً لم تنعقد فبها استثنى له بالحسن
ذاك من أصعد حتّى أدركا من سنام المجد مالم يفرع
وغدا للفخر يجلو فلكا لاح والشمس به في مطلع
ذي كمال سقيت روضته فارتوت بالعذب من ماء النهى
كم له عند المعالي نهضة لو بها شاء إذًا حطّ السهى
وهو الغيث ولكن ومضه ينبت الشكر بمنهلّ اللهى
مثلما ينبت طورًا حسكا في عيون حسدًا لم تهجع
أعينٌ ليت الكرى إن سلكا بين جفنيها جرى في الأدمع