نظمت في تهنية الماجد محمّد الصالح بقدوم ولديه محمّد الرضا وأخيه المصطفى من الحج هذه الموشّحة البديعة:
اجتل الكاس فذي كفّ الصبا حدرت عن مبسم الصبح اللثاما
واصطبحها من يدي عضّ الصبا أغيد يجلو محيّاه الظلاما
بنت كرم زوّجت بابن السحب فتحلّت في لئالي من حبب
مذ جلاه الشرب في نادي الطرب ضحكت في الكاس حتّى قطبا
كلّمن كان لها بيدي ابتساما وانثنى الزامر يشدو مطربا
غرقوا بالراح كسرى يا ندامى
هي نار في إناء من برد عجبًا ذابت به وهو جمد
أبدًا تحرق نمرود الكمد وإذا منها الخليل اقتربا
غودرت بردًا عليه وسلاما فاحتسى أعذب من ماء الزبى
خمرةً أطيب من نشر الخزامى
أشبهت صافية في الأكؤس دمعة الهجر بخدّي العس
إن أديرت مثّلت للمحتسي وجنة الساقي بها فاستلبا
عقله حتّى تراه مستهاما ليس بدري وجنة قد شربا
أم سلاف عتقت عامًا فعالا
تنشي الخفة في روح النسم وتروض الصعب منهم للكرم
لو حساها وهو في اللؤم علم مادرٌ منه إذًا لانقلبا
ذلك اللؤم سماحًا مستداما ودعا خذ مع عقلي النشيا
آخر الدهر ودعني والمداما
كم على ذات الفضا من مجلس قد كساء الروض أبهى ملبس
فيه بتنا تحت برد الحندس نتعاطى من كؤس شهبا
تطرد الهمّ وإن كان لزاما إذ به نامت عيون الرقبا
ليتها تبقى إلى الحشر نياما
ونديمي من بني الترك أغن شهدة النحل بفيه تختزن
هبّ يثني عطفه سكر الوسن بمدام خلت منها خضبا
أنملا أبدى بها الحسن وشاما وكأنّ خداه منها أشربا
حمرة إذ زفّها جامًا فجاما
رشأ جسد صافي جسمه من شعاع الخمر لا من جرمه
خفيت صهباؤه من كتمه لسناها مذ عليه غلبا
نور خدّيه فما تدري الندامى أسنا خدّيه أبدى لهبا
أم سنا الكأس لهم أبدى ضراما
إن يقل لليل عسعس شعره قال للصبح تنفّس ثغره
أو من الردف تشكى خصره قال يا زادك من زان الظبا
بالحصور الهيف ضعفا وانهضاما ولكاسيك الوشاح المذهبا
زاد جفنيه فتورًا وسقاما
يا أليفي صبوتي بشراكما جاء ما قرّت به عيناكما
ذا جديد الأنس قد حيّاكما وخلاصًا لكما قد جلبا
ناقلا عن صفة الراح الكلاما فاجعلاه للتهاني سببا
فعل من يرعي لذي الود الذماما
خلّيا ذكر أحاديث الغضا واطويا من عهد حزوى ما مضى
وانشرا فرحة إقبال "الرضا" وأخيه "المصطفى" ابن المجتبى
إنّ إقبالهما سرّ الأناما وكذا الدنيا استهلّت طربا
إذ معًا آبا وقد نالا المراما
بوركا في الكرخ من بدري على شعّ أوج المجد لمّا أقبلا
ومحيّا الفخر بالبشر انجلى وغدا زهوًا ينادي مرحبا
بمنيري أبرج المجد القدامى بكما قرّت عيون النجبا
آل بيت المصطفى السامي دعاما
رجع السعد إلى مطلعه وألبها رد إلى موضعه
والندى عاد إلى منبعه بسراجي شرف قد أذهبا
[ ١٨٨ ]
بالسنا عن أُفق الكرخ الظلاما وخضمي كرم قد عذبا
موردًا يروي من الضامي الأواما
هل بنات السير في تلك الفلا علمت غاربها ما حملا
وبماذا من وقار وعلى رحلت بالأمس تطوي السبسبا
جددًا تهبط أو تعلوا أكاما وأريحت بالمصلّى لغبا
قد برت أقتابها منها السناما
كم لأيدي العيس يا سعد يد أبدًا مشكورة لا تجحد
فعليها ليس ينأى بلد وبها وخدًا سرت أو خببا
يدرك الساري أمانيه الجساما ويرى أوطأ شيء مركبا
ظهرها من طلب العزّ وراما
أطلعت في الكرخ من حجب السرى قمري سعد بها قد أزهرا
وغرامًا بهما أُمّ القرى لو أطاقت لهما إن تصحبا
حين آبا لأتت تسعى غراما وأقامت لا ترى منقلبا
عن حمى الزوراء ما دامت وداما
أوبةٌ جائت ينيل المنح ذهبت فرحتها بالترح
فبهذا العام أُمّ الفرح ولدتها فاجدّت طربا
بعدما حالت بها من قبلُ عاما ولها الإقبال قد كان أبا
سعده أخدمه اليمن غلاما
فاهن والبشرى أبا المهدي لك تلك علياك لبدريك فلك
قد بدا كلٌّ بها يجلو الحللك فترى الأقطار شرقًا مغربا
لم يدع ضوئهما فيه ظلاما والورى أبعدها والأقربا
بهما تقتسم الزهو اقتساما
ملّت القلب سرورًا مثلما قد ملئت الكفّ منها كرما
واحتبت زهوا تهنّيك بما خصّك الرحمن من هذا الحبا
حيث لا زلت لها تعرى الذماما جاليًا إن وجه عام قطبا
للورى وجهًا به تسقي الغماما
ففداء لك يا أندى يدا من بني الدهر وأزكى محتدا
معشر ما خلقوا إلاّ فدا لبسوا الفخر معارًا فنبا
عن أُناس تلبس الفخر حراما كلّما فيهم علا الحظُّ أبى
قدرهم من ضعة إلاّ الرغاما
تشتكي من مسّ أبدانهم حللٌ ترفع من شانهم
وإذا صرَّ بإيمانهم قلمٌ فهو ينادي عجبا
صرت في أنملة اللؤم مضاما من بها قرّ مقيما عذبا
إنّها سائت مقرًّا ومقاما
هب لهم درهمهم أصبح أب فسما فيهم إلى تلك الرتب
أكرام هم لدى نصّ النسب إن يعدّوا نسبًا مقتضبا
لا عريقًا في المعالي أو قدامى عدموا الجود معًا والحسبا
فبماذا يتسمون كراما
عبدوا فلسهم دهرهم وعليه قصروا شكرهم
فاطرح بين الورى ذكرهم وأعد ذكر كرام نجبا
قصّروا الوفر على الجود دواما وبنوا للضيف قدمًا قببا
رفعت منها يد الفخر الدعاما
معشر بيت علاهم عامر بهم للضيف زاه زاهر
فيه ما أمُّ الأماني عاقر تلد النجح فتكفي الطلبا
وأبو الآمال لا يشكو العقاما وعلى أبوابه مثل الدبا
نعم الوفد لها تلقي ازدحاما
صفوة المعروف قرّوا أعينا واهنأوا بالصفو من هذا الهنا
لكم السعد جلا وجه المنى بيد اليمن ومنه قربا
لكم الإقبال ما ينأى مراما فالبسوا أبراد زهو قشبا
عنكم لا نزعت ما الدهر داما
وإليكم غادة وشحتها وبريا ذكركم عطّرتها
وإلى عليائكم أزففتها فلها جاء افتتاحا طيّبا
نشر راح الأُنس منكم لا الخزامى ولها تشهد أنفاس الصبا
من ثناكم مسكه كان ختاما
وقلت مهنّيًا للفاضل الصالح حين قدم من الحج أخوه عبد الكريم وولده محمّد الأمين، وكانت قد هبت على الحاج تلك السنة في الموقف ريح شديدة أهلت الأكثر منهم وقد أشرقت إلى ذلك أثناء القصيدة، وهي هذه:
فقت يا أيّتها الدار نجوما في السنا فخرًاوفي الجود الغيوما
ونعم أنت بآل المصطفى معدن الفخر حديثًا وقديما
لم تلد أُمُّ المعالي منهم فيك إلاّ واضح الوجه كريما
معشر طابوا فروعًا في العلى وزكوا في طينة العزّ أروما
وكفاهم بأبي المهدي فخرًا حيث أضحى لهم اليوم زعيما
المحيّا عند بذل الجود وجهًا صاحيًا والمرتجى كفًّا مغيما
[ ١٨٩ ]
تخجل المزن إذا ساجلها بيد أرطب منهنّ أديما
وتموت الشهب إن قابلها بمحيًّا يكشف الليل الهبيما
ليم في الجود ولا جود لمن لا يغتدي بين الورى فيه ملوما
وكريم الطبع من لم يتغيّر طبعه في عذل من أضحى لئيما
ليس يثني الغيم عذل فمتى ينثني من علم الجود الغيوما
همم لو عن مدىً زاحمها منكب الدهر لردّته حطيما
عاد مرعي الفضل مخضرًّا به وهو لولا جوده كان هشيما
تحمد النّاس فإن جئنا به لم نجد أحمدهم إلاّ ذميما
من أُناس ركبوا ظهر العلى وجروا في حلبة الفخر قديما
ذهبوا بيض المجالي طيّبي عقد الأزر مصاعيبًا قروما
وتبقوا من بينهم لعلالهم زينةً في نحرها عقد نظيما
كرماء لا تباري كرمًا حلماء تزن الشمّ حلوما
كم دعتهم للقوافي ألسن تركت قلب أعاديهم كليما
يا نجومًا في سما المجد زهت ويسرُّ المجد قولي يا نجوما
للعلى أنتم مصابيح كما لشياطين العدى كنتم رجوما
قد أقرّ الله منكم أعينًا كم لحظتم بالغنا فيها عديما
وحباكم فرحةً تشملكم والمحبّين خصوصًا وعموما
ذهب الروع الذي غمَّ وقد جائت البشرى التي تنفي الغموما
بالفتى عبد الكريم المجتبى وأمين الفضل من طاب أروما
قد لعمري سنن الحج لها ما رأت مثلهما أمس مقيما
خيف يدنو منهما الكرب الذي لذوي الأحلام ما أبقى حلوما
قلت كلاّ لا أراه أبدًا منهما يدنو وإن كان عظيما
فهما من أُسرة في برّهم يدرؤ الخطب وإن كان جسيما
آل بيت المصطفى حيتكم غادة تجلو لكم وجهًا وسيما
أقبلت زهوًا تهنّيكم بما زاد من يحسد علياكم وجوما
فبقيتم في سرور دائم ولكم لا برح السعد نديما
وقال عمّنا المهدي في تهنية الحاج محمّد صالح كبّه وقد عوفي من مرض كان قد عراه:
لصحّة جسمك صحَّ الكرم وعنك سرى لعداك السقم
وثغر المعالي غداة انتعشت لفرحتها في شفاك ابتسم
ووجه الزمان غدا مشرقًا وعنه تجلّت غواشي الظلم
وأيّامه عدن للنّاس بيضا بمن زانها بجسام النعم
همام ملي الدهر فخرًا علىً عطاءً كصوب الحيا المنسجم
به فتح المجد باب الندى بعصر به سدَّ باب الكرم
كريم أعاد لهذا الزمان شبيبته بعد ما قد هرم
به فرح الدهر إذ لم يجد نظيرًا له في كرام الأُمم
إذا رمت مدح أبي المصطفى لأحصي ما فيه يفنى الكلم
وتبقى معان من اللفظ قد خلت وعلى الطرس لم ترتسم
أما من بيان لهذي المعاني فعنها لساني عجزًا إرم
وهل حيلة حيث لا حيلة لحصر معاني كريم الشيم
فتىً كلّ أعماله حسبما به أمر الله باري النسم
له الله من ناسك في تقاه من كلّ مأثمة قد عصم
ويأخذه فزع التائبين ولم يك مثلهم قد أثم
فيحسبه من يراه سقيما وما فيه سقم ولا من ألم
وإنَّ معائب أفعاله محاسن أفعال أهل الشيم
وما مرَّ يوم من الدهر إلاّ بأعماله الصالحات انتظم
فذا نجم خلّص أهل التقى بعصر خلا منهم قد نجم
وجاء بآخر هذا الزمان بمالم يجيئوا به في القدم
ومن بعد نسّاكه الصالحين صدع الهداية فيه التئم
طليق المحيّا إذا وفده على باب بيت علاه ازدحم
فيلقاه مستبشرًا ضاحكًا وتغمره كفّه بالنعم
فما هو إلاّ حيًا للندى بتسكابه فاضح للديم
وبدر علىً يتجلّى به ظلام الخطوب إذا ماادلهَم
سما لعلىً دون إدراكها قد انقطعت عاليات الهمم
وقام بأعباء مجد سواه من الماجدين بها لم يقم