لمّا توفّي المهدي خلف الخلف الصالح وكان نابه الذكر جليل القدر رثيته بقصيدة فريدة عزيت بها أباه وسلّيته بولديه، والقصيدة هذه:
غمضت بغتةً جفون الفناء فوق إنسان مقلة العلياء
وله نقبت بغاشية الحز ن محيّا الدنيا يد الغمّاء
حملت وقر عبئها كاهل الده ر فأمسى يرغو من الأعياء
نكبة لم تدع جليدًا على الخطب ولا صابرًا على اللأواء
يا صريع الحمام صلّى عليك الله من نازل بربع الفناء
وسقى منه تربتةً ضمنت جس مك غيث الغفران والنعماء
فحقيرٌ نوه الجفون وما قد ر جفون السحاب والأنواء
أين عيس المنون منك استقلّت بالحصيف المظفّر الآراء
ذهبت في معرَّس السفر جودًا وروا حوَّم الأماني الظماء
يا عفات الأنام شرقًا وغربًا دوكم فاحتبوا بثوب العفاء
وانحبوا عن حريق وجد لمن كان عليكم أحنى من الآباء
يستقلّ الحبا لكم إن وفدتم ولو المشرقان بعض الحباء
رحلوا العيس قاصدين ضريحًا فيه ما فيه من علًا وسخاء
وأعقروا عنده وجلَّ عن العق ر قلوبًا مطلولة السوداء
جدث ماء عيشكم غاض فيه فانضحوا فوقه دم الأحشاء
حلَّ فيه من قد كفى آدمًا في غيث جدواه عيلة الأبناء
ليت شعري أنّى دنا الموت منه وهو في ربع عزّة قعساء
هل أتاه مسترفدًا حين أعطى ما حوته يداه للفقراء
فحباه بنفسه إذ أتاه مستميحًا يمشي على استحياء
ودّت المكرمات أن تفتديه ببنيها الأماجد الكرماء
هم مكان الجفون منها ولكن هو من عينها مكان الضياء
وهم في الحياة موتى ولكن هو ميّتٌ يعدُّ في الأحياء
يا عقيدي على الجوى عظم الخط ب فأهونْ بالدمعة البيضاء
أجر من ذوب قلبك الدمعة الحم راء حزنًا في الوجنة الصفراء
إن سلني عن ظلمة الكون لما حلن أنوار أرضه والسماء
فلبدر الغبراء حال أخوه بدر أهل الغبراء والخضراء
وخفقن النجوم حزنًا بجنح سام أنوارهنّ بالأطفاء
وإلى الشمس قد نعوه فماتت جزعًا من سماع صوت النعاء
وقف المجد ناعيًا يوم أودى شاحب الوجه كاسف الأضواء
هل ترى صالحًا على الأرض لمّا غاب فيها "المهدي" بدر العلاء
قلت خفّض عليك من عظم الرز ء ونهنه من لوعة البرحاء
ليس إلاّ "محمّد" صالح يو جد في الأرض من بني حوّاء
ليس ينفكّ للجميل قريبًا وبعيدًا عن خطّة الفحشاء
ومهابًا له على أعين الده ر قضى الكبرياء بالأغضاء
وبليغًا قد انتظمن معاني هـ بسلك الأعجاز للبلغاء
وفصيحًا بنطقه أخرس الده ر فما قدر سائر الفصحاء
فارس المشكلات إن ندبوه لبيان مقالة العوصاء
فهو من غرّ لفظه يطعن الثغ رة منها بالحجة البيضاء
يا رحاب الصدور في كلّ خطب وثقال الحلوم عند البلاء
إن اسمكم حسن الأسى فلا ضعا ف أساكم تضمّنت أحشائي
[ ٧٨ ]
فلكم بعضكم ببعض عزاء ولنا فيكم جميل العزاء
وتوفّيت كريمة لمحمّد الصالح في بلاد فارس وجاء بنعشها إلى النجف بعلها الجواد، فرثيتها بقصيدة تأتي في محلّها، ورثاها عمّي المهدي بقصيدة طويلة جمع فيها بين التعزية بوفاتها والتهنئة بقدوم بعلها.
قد بكى الخدر والتقى والحياء هل قضت معدن التقى حوّاء
وعلى ذي الأعواد آسيةٌ تح مل أم تلك مريم العذراء
أم على النعش هاجرٌ سار فيها من كرام الملائك العظماء
أم به سارةٌ سرت لضريح عطّرت من أريجة الأرجاء
مَهْ فهذي التي تربت ببيت حسدت ساح أرضه الخضراء
هي بنت الراقي سرادق عليًا حيّرت في رقيها الآراء
فلعظم احتجابها في خباها ليس يدري لمن يكنُّ الخباء
وذووا قربها بها ليس تدري أهي في الخدر أم به العنقاء
لو بدت لا ترى الأنام رداها فكأنّ كلُّ مقلة عمياء
هي من عترة التقى في بيوت أسّستها على التقى الأتقياء
سار فيها الجواد من حيث منه رامت العزَّ عزّةٌ قعساء
وأتى فارسًا ومنها اختلاسًا بيد الحتف سلت الحوباء
فارتأى أن يسير فيها لأرض هي فيهم ما طاولتها سماء
قد لعمر العلى أتاها فتاها وسرورًا تاهت به العلياء
وبه رأس عترة المجد أبدى فرحًا فيه زالت الغمّاء
مَنْ سما للعلى بهمة ندب بلغته من العلى ما يشاء
إنّما الفعل منه للقول تلوٌ ومن القول في الأنام هذاء
فنعم للسؤال ما قال إلًاّ وتلتها من كفّه النعماء
وهو للمؤمنين يخفض جنحًا دون أدنى محلّه الجوزاء
أقبيل العلياء قد برزت من فكرتي غادةٌ لكم حسناء
لبستَتْ حلتَيْ سرور وحزن نسجتها السرّاء والضرّاء
فهي تجلى في التهنئات عروسًا وهي من مرثياتها الخنساء
ولها تارة غنًا وابتسام وبأخرى لها عنًا وبكاء
ولهذين في قريضي كلٌّ منهما حقّه رعاه الوفاء
وتوفي ولد لي في السنة السادسة والستّين بعد المائتين والألف، فرثيته بهذا المقطوعة:
هل يطربنّك يا زمان نعائي أم إنّك استعذبت ماء بكائي
في كلّ يوم منك ألقى شدّة ولأنت يومًا شدّة ورخاء
لازلت ملحم غارة الأزراء أو حاشدًا جيشًا من النكباء
حتّى أصبت صميم قلبي بغتة وطرقتني بفجيعة صمّاء
لم تبق لي جلدًا وكنت أخالني جلدًا بكلّ ملمّة دهياء
ومعنّف طرب المسامع ما رمى عينيه صرف الدهر بالأقذاء
قد لامني وحشاه بين ظلوعه والأرض مطبقة على أحشائي
أمعيب حزني لو ملكتُ تجلدي ما بتُّ أمزج أدمعي بدمائي
ابنيَّ لو خلع البقاء على امرء لخلعت من شغفي عليك بقائي
مغف قد امتلئت ردى بدل الكرى عيناك فاقد لذَّة الإغفاء
داءٌ ترحّل فيك عنّي معقب في مهجتي للوجد أقتل داء
لهفي عليك بكلّ حين أبتغي فيه لقاك ولات حين لقاء
ولئن حجبت بحيث أنت من الثرى عن ناظريَّ فأنت في أحشائي
قربت بك الذكرى وفيك نأى الردى نفسي فداؤك من قريب نائي
لو متُّ من أسفي عليك فلم يكن عجبًا ولكنَّ العجيب بقائي
لا زال قبرًا ضمّ جسمك تربه متنسّمٌ بلطائم الأنداء
ولئن أبت حيث استقلّ بك الردى أن تستهلّ حوافل الأنواء
فحدت إليك على العباد مدامعي غيثًا جنوب تنفّس الصعداء