قلت في رثاء المهدي خلف الخلف الصالح وقد توفي في بلاد فارس وجيء بنعشه ليدفن في النجف:
أغارء دمعك أم منجد قد رحل الصبر ولا منجد
يا رابط الأحشاء في راحة قد نضجت بالجمر ما تقصد
لا تلتمس قلبك في جذوة ما بقيت منك عليها يد
أخلت يبقى لك قلب على فاغرة الوجد ولا يفقد
وإنّ قلبًا تحت أنيابها طاح شظايا كيف لا يزرد
حسبك منها زفرة لو غدت في جلمد منها نزا الجلمد
كم هزَّ أظلاعك من فوقها حتّى تلاقين جوىً مكمد
فساقطت منك الحشا أدمعًا حمرًا على ذوب الحشا تشهد
لو تعلم الأيّام ماذا جنت إذًا لودّت أنّها تنفد
لقد أحلت بكرّ رزء لها في كلّ قلب مأتم يعقد
إذ كوّرت شمسًابنوا المصطفى فيها ترجّوا أفقهم يسعد
الله يا دهر أبينا هم في زهو بشرى للعدى تكمد
إذ يرد الناهي إليهم بأن جاء ابن نعش ذلك الفرقد
فيغتدي ذاك الهنا حنّة فرائص الدنيا لها ترعد
نعشٌ أُتي يُحْمَلُ فيه النهى ميتًا عليه يندب السؤدد
وخلفه العلياء في صرخة تدعو إلى أين به يقصد
يا حاملي إنسان عيني قفوا نشدتكم بالله لا تبعدوا
دعوه لي حسبي لتجهيزه عيني عليه طرفها أرمد
دموعها الغسل وأكفانه البياض والجفن له ملحد
غدرت يا دهر ومنك الوفا لا العذر بالأمجاد مستبعد
فاذهب ذميمًا إنّها غدرة وجهك ما عشت بها أسود
مالك بالسوء لأهل الحجى وردت لا طاب لك المورد
يا ناهدًا بالشرّ من جهله تعلم بالشرّ لمن تنهد
وطارقًا بيت ندىً يتقي ببابه المتهم والمنجد
فمقعداه للتقى والندى وحاجباه العزّ والسؤدد
ألم تجده حرمنًا آمنًا يحجّه الأبيض والأسود
فكيف تسعى فيه لا محرمًا كأنّما أنت به ملحد
ما هو إلاّ بيت فخر له قبيلة المعروف قد شيّدوا
بيت أبوالندب الرضى ربّه أكرم من تحت السما يقصد
مولىً درت أهل العلى أنّه دون الأنام العلم المفرد
وأنّه لولا ندى كفّه لم يرَ لا رفدٌ ولا مرفد
تلقاه طلق الوجه في هيبة يفرق منها الأسد الملبد
محبّب من حسن أخلاقه حتّى إلى من مجده يحسد
ما سهرت من خائف مقلةٌ إلاّ وبالأمن لها يرقد
يا أُسرة المعروف لا نابكم من بعد هذا الرزء ما يكمد
وهذه النكبة مع أنّها فيها ثواب الصبر لا ينفد
لا يحمد الصبر على مثلها لكنّه من مثلكم يحمد
وقال عمّنا المهدي يرثي الرضا نجل مصباح الشرف الواضح الماجد الصالح ويعزّيه به:
لا تلمني لم تجد ما أجد نابني ما عزَّ فيه الجلد
كفَّ عنّي إنّ منّي بغتةً حطم الظهر وشلَّ العضد
سلَّ من عينيَّ إنسانهما وانطوى في اللحد منّي الكبد
قد أراني الدهر مالم يره من عظيمات الرزايا أحد
ذهبت أيدي الليالي بالذي هو لي لو حارب الدهر يد
كنت أنشي للرضا مدحًا فيا حزني اليوم رثاه أنشد
عبجًا كيف لساني ناطق وهو في شطن الأسى منعقد
[ ١٣٠ ]
ولفكري وهو في إذهاله للئالي نظمه ينتقد
يالساني قل به ما شئته علّني أشفي به ما أجد
طارح الورقاء في النوح عسى هي إن طارحتها لي تسعد
عدمت نفسي ظلّي إن يكن كبدي عنه يزول الكمد
فلأعطي كمدي من كبدي حقّه حتّى يذوب الكبد
فالأسى آيست منه حيث ما للأسى إلاّ لقاه موعد
هو نفسي كيف أسلو بعده هل سلا حوباه قبلي أحد
هو من بيت رفيع في العلا أبدًا ما لعلاه أمد
سكنته عترة المجد التي طاب منها في القديم المحتد
قد دهتها نكبة أحلمها ظلَّ من دهشته يرتعد
ولعمري رزءُ آل المصطفى ما خلا في الأرض منه بلد
تعس الدهر أهل مطروفةٌ عينه أم قد عراها رمد
فرمى من حيث لا يبصر من غرر الأيّام فيه تسعد
يا أبا المهدي إن ضلَّ الورى عن سبيل الصبر أنت المرشد
فقبيحٌ إنْ أقلْ صبرًا لمنْ سنن الصبر إليه تسند
وعلى أطهر من ماء السما منه أطراف حباه تعقد
لا دهاكم بعد هذا فادح ما غدى في الأرض راس وتّد
وبقيتم سرمدًا عيشكم هو في عزّ علاكم رغد
تمّ بعون الله وتوفيقه الجزء الأوّل من كتاب "العقد المفصّل" تأليف الشاعر الكبير المفلق الشهير أبي الحسين السيّد حيدر بن السيّد سليمان الحسيني الحلّي ويليه الجزء الثاني أوّله الباب التاسع: حرف الذال.
@الجزء الثاني الحمد لله الذي جعل محمّدًا حسن السجايا، وفضّله على جميع البرايا، وخصّه من بين العرب بغاية الفصاحة ونهاية الأدب.
وبعد؛ فهذا هو الجزء الثاني من الكتاب المرسوم ب "العقد المفصل" في قبيلة المجد المؤثل، وهو كسابقه في فصوله وأبوابه ونكات أغرابه وإعجابه، قد جمع من فنون النظم والنثر ما يزري بعقود الدر، وحوى من الإستحسانات البديعية والإستظرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة ما يرتاج إليه أهل الأدب، وتسكن إليه نفوس ذوي الفضل، والله أسأل أن يقع منهم موقع الإعجاب والإطراب.