أقول: إنّه الحليم الذي ما ضمنت أحلم منه معاقد حبوه، ولا التفت عللى أوقر منه مجامع ندوه يزينه من الحجى ركانه، ومن النهى ما يعلى على النبلاء مكانه.
زعيم بني الشرف الواضح وربّ النهى والحجى الراجح
حليم إذا ما عرا فادح توقّر يرسي على الفادح
وقور على مقذعات الحسود وهل يعبأ البدر بالنابح
الحلم هو الأناة، والنُّهى العقل، والوقار الحلم، والركانة الوقار والرزانة، والحجى العقل أيضًا.
قالت الحكماء: الحلم أفضل من العقل لأنّ الله ﷾ وصف نفسه به.
[ ١٣ ]
ويقال في المثل: حسب الحليم أنّ الناس أنصاره.
وقال أميرالمؤمنين علي ﵇: ربّ كلمة يخترعها حليم مخافة ما هو شرّ منها، وكفى بالحلم ناصرًا.
وقال ﵇: لِن واحلم تُنْبل، ولا تعجب فتُمقَت وتُمتَهَن.
وقيل: من مناقب المرء الحلم من غير ضعف، والجود بغير طلب ثواب الدنيا.
وقال بعض الحكماء: من اتّخذ الحلم لجامًا إتّخذه النّاس إمامًا، ومن لم يكن حليمًا لم يزل سقيمًا.
وقيل لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: أردّهم لجهله بحلمه.
وكان يقال: دلّ على عقل المرء إختياره.
قال بعض الشعراء:
قد عرفناك باختيارك إذ كا ن دليلًا على اللبيب اختياره
وقال علي ﵇: العقل إصابة الظنّ ومعرفة ما لم يكن بما كان.
وقال ﵇: ذمّ العقلاء أشدّ من عقوبة السلطان.
وقال ﵇: من زاد عقله نقص حظّه، وما جعل الله لأحد عقلًا وافرًا إلاّ احتُسِبَ به من زرقه.
وقال ﵇: الروح حياة البدن، والعقل حياة الروح.
وقال ﵇: ليس شيء أحسن من عقل زانه علم، ومن علم زانه حلم، ومن حلم زانه صدق، ومن صدق زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى، إنّ ملاك العقل ومكارم الأخلاق صون العرض والجزاء بالقرض والأخذ بالفضل والوفاء بالعهد والإنجاز للوعد، ومن حاول أمرًا بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف وأبعد ممّا يرجو.
ويقال: العقل منهاة فمن لم تنه تجاربه عدّ من البهائم.
وقال الثعالبي: العقل أحسن معقل.
وقال: العاقل من يروى له ثمّ يروي، ويُخْبَر ثمّ يخبِر، ويُشاهد ثمّ يشهد، ويعلم ثمّ يعمل.
وقال أيضًا: العاقل من يستدلّ بأسارير الوجوه على أسرار القلوب.
وقال: العاقل من يرى بأوّل رأيه أواخر الاُمور، ويهتك عن أسبابها ظلم الستور.
وقال: العاقل من يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر.
ومن جيد الشعر في هذا الفصل قول بعضهم:
الحلم يعقب راحةً ومحبّةً والصفح عن ذنب المسيء جميل
وقال الآخر:
من خير ما رُزِق العباد وأُلهموا علم يُعاشُ به وحلم راجح
وقول الرضي:
وأحلم خلق الله حتّى إذا دنا إليها الأذى طارت بها جهلاتها
ينظر فيه إلى قول النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
وهذا هو الغاية في بابه. ومن جيد ما قيل في الحلم والوقال قول ابن دريد في مقصورته:
يعتصم الحلم بجنبي حبوتي إذا رياح الطيش طارت بالحبى
وقول البحتري:
ووقور تحت السكينة ما ير فع من طرفه ضجاج الخصوم
وقول المتنبي:
وبقايا وقاره عاقت الناس فكانت ركانةً في الجبال