قلت في مدحه هذه القطعة الموجزة:
أدر يا نديم علينا الكؤسا فقد شاقت الراح منّا النّفوسا
[ ١٥٠ ]
نشطنا عشيًّا لشرب المدام فأرعش بكأسك منّا الرؤسا
وقم هاتها من بنات الكروم على ورد خدّيك تجلّى عروسا
كأنّ الندامى على شربها بدور دجىً تعاطى شموسا
تداعوا لنيرانها ساجدين ودعواهم لا عدمنا المجوسا
سأحبس ما عشت ركب الرجاء بحيث يفكّ النوال الحبيسا
لدى من تخيّرت المكرمات على نحرها منه عقدًا نفيسا
له المجلس المحتبي بالنهى يراع به من يروع الخميسا
وقلّ بأن يفرش الفرقدين ويتّخذ البدر فيه جليسا
فيابن نجوم جرت في العلاء لقوم سعودًا وقوم نحوسا
غدا بك يوم الندى ضاحكًا ويوم العدا عاد جهمًا عبوسا
بقيت على عطل الحاسدين تحلي يد المدح فيك الطروسا
فأمّا قولي:
سأحبس ما عشت ركب الرجاء بحيث يفكّ النوال الحبيسا
فقد وقع فيه التصدير ويُسمّى ردّ العجز على الصدر وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر بكلمة في صدر البيت متقدّمة أو متأخّرة ثمّ يأتي بلفظها أو معناها أو بما تصرّف من لفظها في عجزه. وأمثلة هذا النوع كثيرة وله عدّة ضروب، وأحسنه ما كانت فيه اللفظة افتتاحًا للبيت والأُخرى ختامًا له كبيتنا المذكور، وكقول الشاعر:
تمنّت سليمي أن أموت صبابةً وأهون شيء عندنا ما تمنّت
وقول البحتري:
ضرائب أبديتها في السماح بها لم نجد لك يومًا ضريبا
وقول الآخر:
كلّ ريم يعطوا فيصطاد ليثًا عند ليث يسطو فيصطاد ريما
وقول أبي تمام:
وجوه لو أنّ الأرض فيها كواكب توقّد للساري لكانت كواكبا
وقوله أيضًا:
وليل بتّ أكلؤه كأنّي سليم أو سهرت على سليم
أراعي من كواكبه سوامًا هجانًا لا تريع إلى المسيم
بل شعر أبي تمام أغلبه مبني على التصدير وبذلك بلغ غاية الإستحكام من إتقان مبانيه وتمكّن قوافيه إذا القافية تكون مرادة من أوّل البيت وعليها يبتني نظمه وحسن الصناعة يقتضي ذلك.