قلت في مدحه:
ذكرت بذات الأثل حيث مضى لنا زمان به ظلّ الشبيبة سابغ
كواعب ترمي عن قسيّ حواجب بأسهم لحظ لاتّقيها السوابغ
تدبُّ على الورد النديّ بخدّها عقارب من أصداغهنّ لواذع
لوادغ أحشاء يبيت سليمها ودرياقه عذب من الريق سائغ
لهوت بها حينًا أطيع بها الهوى غرامًا وشيطان الصبابة نازغ
إلى أن رأت عيني يد الشيب ناصلًا بها من كلا فوديّ ما الله صابغ
فأصبحت لا قلبي من الغيد فارغ بلى قلبها منّي غدا وهو فارغ
وأمسيت في ليل من الغمّ تحته فؤادي له ضرس من الهمّ ماضغ
إلى أن جلا عنّي الهموم بأسرها هلال عُلىً في مطلع السعد بازغ
هلال عُلىً تجلوه طوقًا لنحرها له ربّه من جوهر المجد صائغ
فتىً لم تكن أهل المساعي جميعها لتبلغ من علياه ما هو بالغ
يقصّر كعب عن نداه وحاتم ويقصر حتّى جرول والنوابغ
فأمّا قولي: كواعب ترمي عن قسي حواجب، فنظيره قول أبي الحسن الهمداني من شعراء اليتيمة:
ظلّت تجيل لحاظها كالسيف لم يخط المضارب
للسحر في أجفانها مهما أدارتها ملاعب
جعلت قسيّ سهامها إن ناضلته عقد حاجب
لم تخط سهمًا أرسلته إنّ سهم اللحظ صائب
وقول القاضي الأرجاني:
أذمت لنا سلمى عشيّة سلّمت علينا بتوديع لإيماء حاجب
فما شبهت عيني لها قوس حاجب أشارت به نحوي سوى قوس حاجب
وقول الصفي الحلّي:
لم تترك الأتراك بعد جمالها حسنًا لمخلوق سواها يخلق
[ ١٦٣ ]
إن نوزلوا كانوا أُسود عرينة أو غوزلوا كانوا بدورًا تشرق
جذبوا القسي إلى قسي حواجب من تحتها نبل اللواحظ ترشق
وتشبيه اللحظ بالسهم، والحاجب بالقوس، كثير جدًّا في الشعر.
وأمّا قولي: تدبّ على الورد النديّ بخدّها، فمثله قول صفي الدين الحلّي:
دبّت عقارب صدغه في خدّه وسعى على الأرداف أرقم جعده
وبدت محاسنه ففوق لحظه سهمًا يذود بشوكه عن ورده
وقال ابن بسّام البغدادي: كنت أتعشّق غلامًا لخالي، فنمت ليلة وقمت لأدبّ عليه فلسعتني عقرب، فقلت: آه، فانتبه خالي وقال: ما أتبى بك إلى هنا؟ فقلت: قمت لأبول، قال: صدقت لكن في أُست غلامي فحضرني إذ ذاك هذه الأبيات فقلت:
ولقد سريت مع الظلام بموعد حصلته من غادر كذّاب
فإذا على ظهر الطريق مدبّة سوداء قد علمت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها إنّها دبّابة دبّت إلى دبّاب
وقيل: إنّ صاحب الغلام أنشد:
وداري إذا نام سكّانها تقيم الحدود بها العقرب
إذا غفل النّاس عن دينهم فإنّ عقاربنا تضرب
وقد تركنا ذكر كثير من النظائر في الدبيب لفحشها. وما أحسن ما اعتذر به القائل من ترك الدبيب:
قالوا وقد بصروا بأيري نائمًا عند الدبيب إليه رخو المفصل
ماذا عراه فقلت ساري ليلة عرف المحلّ فبات دون المنزل
ومثل قوله: رخو المفصل ما قال أبوالنجم العجلي وذلك أنّه دخل على هشام وقد أتت عليه سبعون سنة، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إنّي لأنظر إليهنّ شزرًا، وينظرن إليّ خزرًا، فوهب له جارية وقال له: أُغد عَلَيّ واعلمني ما يكون منك، فلمّا أصبح غدا عليه فقال له: ما صنعت شيئًا ولا قدرت عليه، وقلت في ذلك أبياتًا هي:
نظرتْ فأعجبها الذي في درعها من حسنه ونظرتُ في سرباليا
فرأت لها كفلًا ينوء بخصرها وعثمًا روادفه وأجثم ناتيا
ورأيت منتشر العجان مقلّصًا رخوًا مفاصله وجلدًا باليا
ومنها:
ما بال رأسك من ورائي طالعًا أظننت أنّ حر الفتاة ورائيا
فاذهب فإنّك ميّت لا ترتجى أبد الأبيد ولو عمرت لياليا
وقال الحسين بن الحجّاج:
إذا يئس المرء من أيره رأت عرسه اليأس من خيره
ومن كان في سنّه طاعنًا فقد عدم الطعن في غيره
وقال أيضًا:
نم فما عندك خير يرتجى أيّها الأير القليل المنفعه
كنت بالأمس جموحًا في الصبا فاشتهيت الخفض واخترت الدعه
طالما جدّلت فرسان الوغى وافتتحت القلعة الممتنعه
وتقحّمت مطامير الهوى فعرفت الضيق منها والسعه
وقال أيضًا:
قالت وقد قلت اعبثي لي به يومًا وقد نامت وقد ناما
وقال بعضهم:
تقول لي وهي غضبى من تدلّلها وقد دعتني إلى أمر فما كانا
إن لم تنكني نيك المرء زوجته فلا تلمني إذا أصبحت قرنانا
كأنّ أيرك من شمع رخاوته فكلّما عركته راحتي لانا
وقال بعضهم:
تعقّف فوق الخصيتين كأنّه رشاءٌ على رأس الركيّة ملتفُّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه إلى أبويه ثمّ يسقطه الضعف
ومن ظريف ما يحكى أنّ بعض البغايا دخلت مع رجل في بيت، فلمّا خلا بها لم ينعض، فلمّا طال عليها أخذت تعنّفه، فلمّا زادت عليه في اللوم قال لها: ويلك! أنت تفتحين بيتًا، وأنا أنشر ميتًا، وإنّ بينهما لفوتًا.
وحكي عن المبرّد أنّه قال: عشقت جارية في قصر المعتزّ بالله، فلحقني بها ما خفت عاقبته على نفسي، وطال شوط مطالها، وأنا بنفس ترجي وصالها، فلمّا رحمت عبدها وأنجزت وعدها وحضرتني زائرة نام أيري لشوم طيري، فاجتهدت أن يقوم فأبى، فتحيّرت خجلًا، وتلدّدت وجلًا خوفًا أن تظنّ تلك السيرة، ولا تعرف السريرة، فأخذت سكّين الدواة، فقالت: ما تصنع؟ قلت: أقطعه، فقالت: دعه تبول منه، فكان ذلك أشدّ عَلَيّ من جدع أنفي، فانصرفت وأنا أقول: الشأن في أير يقوم، فالتفتت إليّ وقالت: وهوىً بلا نيك يدوم، فقلت: أيري على مرّ الزمان، فمن أذمّ ومن ألوم.
[ ١٦٤ ]
وقال الأصمعي: تزوّجت أعرابيّة غلامًا من الحي، فقال لها: يا واسعة، يعيرها بذلك، فقالت بديهة:
إنّي تنقّيت من بعد الخليل فتىً مرزءًا ماله عقل ولا باه
ما غرّني فيه إلاّ حسنُ نقبته ومنطقٌ لنساء الحيّ تيّاه
فقال لمّا خلا بي أنت واسعة وذاك من خجل منّي تغشّاه
فقلت لمّا أعاد القول ثانية أنت الفداء لمن قد كان يملاه
وتزوّج بعضهم امرأة، فسُئِل عنها بعد أيّام، فقال: فيها خصلتان من خصال البرد والسعة.
وقيل: إنّ رجلًا كان يدلّ بعضم الأير، فقال يومًا لامرأة واقعها وأعجبه ما معها: هل خرج من خلفك؟ فقالت له: وهل دخل الآن.
وحكي ما هذا مضمونه أنّ رجلًا أراد شراء جارية فسألها: كم دفعوا فيك؟ فقالت: وما يعلم
ودخلت جارية على راشد في رسالة من مولاتها إليه، فرأت حمارًا قد أدلى، فبهتت وقالت: تقول لكم مولاتي كيف أير حماركم؟ فقال راشد: قائم
وقيل: تزوّج رجل صغير الأير امرأةً، فلمّا واقعها اعتذر إليها، قال: إن كان أيري صغيرًا فهو ذكيّ، فقالت: ليته كان كبيرًا أبله.
وقال بعضهم:
وفيشة ليست كهذي الفيش قد ملئت من خرق وطيش
إذا بدت قلت أمير الجيش من ذاقها يعرف طعم العيش
ويقال: دبّ رجل على امرأة، فانتبهت مذعورة، فقال لها: ما تأمرين، أخرجه؟ قالت: لا دعه يذهب ويجيء حتّى أُفكّر.
أقول: وميل النساء وشغفهنّ بذلك معروف، ولهنّ في الإشتياق إلى الرجال من النثر والنظم ما لا يحصى.
قيل لأعرابيّة: أيّ الأيور أحبّ إليك؟ قالت: الشديد أسره، العظيم نشره، البطي فتره، الكثير غزره، الذي إن أصاب حفر، وإن أخطأ عقر.
ولبعض نساء العرب من رائق النظم قولها:
أيا أخوي اللائمي على الهوى أُعيذكما بالله من مثل مابيا
سألتكما بالله إلاّ جعلتما مكان الأذى واللوم أن تاوياليا
ويا أمتا حبّ الهلالي قاتلي سطون النوى لا زال عنّي نائيا
أشم كغصن البان جعد مرجّل شغفت به لو كان شيئًا مدانيا
فإن لم أوسّد ساعدي بعد هجعة غلامًا هلاليًّا فشلت بنانيا
ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه سلافًا ولا ماء الغمامة صافيا
ونظير قولها: أشم كغصن البان الخ ما قالته بعض بنات العرب فيما حكي أنّه كان لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ، فأبين وقلت: خدمتك وقربك أحبّ إلينا، ثمّ تشرّف عليهنّ حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة ما في نفسها، قالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلةً وضجيعها أشمّ كنصل السيف غير مهنّد
عليم بأدواء النساء واصله إذا ما انتمى من سرّ أهلي ومحتدي
فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته، ثمّ قالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس ذوي عدًا حديث الشباب طيّب الثوب والعطر
لصوق بأكباد النساء كأنّه خليفة جلن لا ينام على وتر
فقلن لها: أنت تريدين فتىً غنيًّا ليس من أهلك، ثمّ قالت الثالثة:
ألا ليته يكسي الجمال نديّه له جفنة تشقى بها المعز والجزر
له حكمات الدهر من غير كبرة تشين فلا فان ولا ضرع غمر
[ ١٦٥ ]
فقلن لها: أنت تريدين سيّدًا شريدًا، وقلت للرابعة: قولي، فقالت: لست أقول شيئًا، فقلن: يا عدوّة الله علمت ما في أنفسنا ولا تعلمينا ما في نفسك، فقالت: زوجٌ من عود خير من قعود، فمضت مثلًا، فزوّجهنّ أربعهنّ وتركهنّ حولًا، ثمّ أتى الكبرى فقال: ياابنتي كيف ترين زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويُعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال الإبل، نشرب ألبانها جزعا، ويروى جرعا، ونأكل لحمها مزعا، وتحملنا وضعيفنا معا. فقال: يا بنتي زوج كريم، ومال عميم. ثمّ أتى الثانية فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم أهله، وينسى فضله. قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملو الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع نساء. قال: حظيت ورضيت. ثمّ أتى إلى الثالثة فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر. قال: فما مالكم؟ قالت: المعزى نولدها فطما، ونسلخها أدما، لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة مغينة. ثمّ أتى الصغرى فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج، يكرم نفسه، ويهين عرسه. قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال. قال: وما هو؟ قالت: الضان جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهنّ يتبعن. فقال أبوها: اشبه امرؤ بعض بزّه، فمضت مثلًا.
قولها: وأمر مغويتهنّ يتبعن أي القطيع من الضأن يمرّ على قطنرة فتزلّ واحدة فتقع في الماء فيقعن كلّهنّ اتّباعًا لها، والضأن توصف بالبلاة.
قال الأصمعي: رأيت امرأة من العرب تطوف بالكعبة وتنشد بلسان ذرب:
أستغفر الله لذنبي كلّه قبّلت إنسانًا بغير حلّه
لحسن عينيه وحسن دلّه مثل غزال كانس فى ظلّه
وانتصف الليل ولم أصلّه والخمر مفتاح لهذا كلّه
فقلت لها: لله درّك ما أحدّ جنانك، وأفصح لسانك؟! فقالت: إليك عنّي، ما ترك كتاب الله لأحد فصاحة، ولقد سمعت منه آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهي قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أن أرضعِيهِ فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَني إنّا رادُّوهُ إليكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين) .
وفي فتح القريب: إنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، فمرّ بامرأة مغلق عليها بابها، فاستمع لها عمر وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه وأرقني أن لا ضجيع أُلاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرّك من هذا السرير جوانبه
وبتُّ أُلاهي غير بدع ملعن لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني طورًا وطورًا كأنّما بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه
يسرُّ به من كان يلهو بقربه يعاتبني في حبّه وأُعاتبه
ولكنّني أخشى رقيبًا موكّلًا بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ثمّ تنفّست الصعداء وقالت: لهان على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عنّي، وقلّة نفقتي. فقال عمر: يرحمك الله، فلمّا أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها.
ويقال أيضًا بطريق آخر: إنّ عمر بن الخطّاب خرج في الليل، فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه وأرقني أن لا خليل أُلاعبه
فوالله لولا الله إنّي أُراقبه لزلزل من هذا السرير جوانبه
فقال عمر بن الخطّاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستّة أشهر أو أربعة، فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيش أكثر من أربعة أشهر.
وحدّث أبوالعينا قال: حجّ الحسين بن الضحّاك فمرّ في منصرفه عل يموضع يعرف بالقريتين وإذا جارية كأنّها القمر في ليلة التم تتطلّع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثمّ تضربه بيدها وتقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشا الحسين يقول:
مررت بالقريتين منصرفًا من حيث يقضي ذووا الهوى النسكا
إذا فتاة كأنّها القمر التم إذا ما توسّط الفلكا
واضعةً كفّها على حرّها تقول واضيعتي وضيعتكا
فلمّا سمعت قوله ضحكت وغطّت وجهها وقالت: وا فضيحتاه.
ويروى أيضًا ما هذا مضمونه أنّ امرأةً قالت لأُخرى: خرجت اليوم إلى العيد، قالت لها: إي وحياتك، قالت لها: فما رأيت؟ قالت: أحراءً تتثأب وأيورًا تتمطّى.
[ ١٦٦ ]
قال صاحب المعاهد: وقد روي هذه الحكاية عن أبي حيّان التوحيدي.
ومن بديع الإستعارة على سخفه ومجونه قول السعيد ابن سناء الملك وهو:
يا هذه لا تستحي منّي فقد كشف المغطّى
إن كان فرجك قد تثأب إنّ أيري قد تمطّى
ويقال: كان عبد المطّلب المخزومي قاضيًا على المدينة، وكانت عنده امرأة مات عنها خمسة أزواج، فمرض فجلست عند رأسه تتباكى وتقول: إلى من توصي بي؟ قال: إلى السادس الشقي.
ومن جيّد الهزل المناسب لهذا المقام قول بعضهم:
يستغفر النّاس بأيديهم وهنّ يستغفرن بالأرجل
فياله من عمل صالح يرفعه النيك إلى أسفل
ومثله أيضًا:
قد هزّني الشوق من أجل أبي طوق
فلم أشعر تدحرجت من تحت إلى فوق
ومن ظريف الهزل والمجون ما حكي أنّ الحسين بن الحجاج كان له صديق وكان له ابن يقال له أبا جعفر مستهترًا بالقحاب، فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزويج، فكتب إليه ابن الحجاج:
إيّاك والعفّة إيّاكا إيّاك أن تفسد معناكا
أنت بخير يا أبا جعفر ما دمت صلب الأير نيّاكا
ومن النوادر الظريفة ما حكي أنّه كان بإصبهان رجل حسن النعمة، واسع النفس، كامل المروّة يقال له سماك ابن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل إصبهان تعرف بأُمّ عمرو، فلإفراط حبّه إيّاها وصبابته بها وهبها عدّة من ضياعه وكتب عليه بذلك كتبًا وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك وتحدّث الناس واستعظموه، وكان بإصبهان رجل متجلّف بين الركاكة، يهوى مغنّية أخرى، فلمّا اتّصل به ذلك ظنّ بجهله وقلّة عقله أنّ سماكًا إنّما أهدى إلى أُمّ عمرو جلودًا لا كتابة عليها وأنّ من الهدايا التي تستحسن عند من تهدى إليه، فابتاع جلودًا كثيرة وحملها على بغلتين لتكون هديّته ضعف هديّة سماك وأنفذها إلى التي يحب، فلمّا وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها فغيّظت عليه وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنّها لا تكلّمه أبدًا، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتًا في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:
لا عاد طوعك من عصاكا وحرمت من وصلي مناكا
فلقد فضحت العاشقين بقبح ما فعلت يداكا
أرأيت من يهدي الجلود إلى عشيقته سواكا
وأظنّ أنّك رمت أن تحكي بفعلك ذا سماكا
ذاك الذي أهدى الضياع لأُمّ عمرو والصكاكا
فبعثت منتقنة كأنّك قد مسحت بهن فساكا
من لي بوصلك يا رقيع ولست أهوى أن أراكا
لكن لعلّي أن أقطّع ما بعثت على قفاكا
ونظير هذه النادرة في اللطافة ما نقل عن الحسين بن الضحّاك أنّه قال: كان رجل من أهل الشام عيجب الخلقة، والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه، وكان حظي التعجّب منه، وكان يأتي بكتب عتيقة له ما رأيت كتبًا أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجواب عنها وأصرف عنايتي إليها على علمي أنّ الشامي على جهله لا يميّز بين الخطأ والصواب، ولا يفرّق بين الإبتداء والجواب، ولمّا طال ذلك عَلَيّ حسدته وتنبّهت على فساد حاله عند محبوبته، فسألته عن اسمها، فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جائني به:
أرقصني حبّك يا بصبص والحبّ يا سيّدتي يرقص
أرمصت أجفاني بطول البكا فما لأجفانك لا ترمص
وأنبىء وجهك ذاك الذي كأنّه من حسنه سعفص
[ ١٦٧ ]
قال: فجائني بعد ذطلك فقال: يا أبا علي! ما كان ذنبي إليك؟ وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلاّ أن وصل إليها ذلك الكتاب حتّى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن أن أراك، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا لتقف بحياله حتّى أراك، فتزيّنت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع فبينا أنا أنتظر مكلّمًا لي أو مشيرًا إليّ وإذا شيء قد صبّ عَلَيّ فملأني من فرقي إلى قدمي، وأفسد ثيابي وسرجي، وصيّرني وجميع ما عَلَيّ ودابّتي في نهاية السواد والنتن والقذارة، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزي وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم ممّا جرى عَلَيّ، ولحقني من أهلي ما هو شرٌّ من ذلك وأعظم من كلّ ما ذكرته إنمنعت رسلها وانقطعت عنّي. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إنّ الآفة أنّها لم تفهم الشعر بجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسرّ بالشماتة إليه.
وحيث انجرّ الكلام إلى ذكر هذين الغبيين فلا بأس بتوشيحه بذكر نوادر بعض الحمقاء ونوادرهم كثيرة.