ولعل هذا الميل الشعوبى هو الذي دفع بصاحبنا أن يصطنع عداوته لإمام العربية
_________________
(١) ابن خلكان ٢: ١٠٧.
[ ٢ / ٣٣١ ]
عبد الملك بن قريب الأصمعي، فالأصمعى كان عربيّا متعصّبا للعرب شديد العصبية شديد المحافظة والتوقي. ولقد بلغ من ذلك أنه كان لا يقول في تفسير ألفاظ الكتاب الكريم، خشية أن يزلّ زللا دينيا أو لغويا لا يغتفر.
وأما أبو عبيدة فإنه كان لا يعبأ بهذا المذهب، فهو ينساق إلى أن يؤلف في تفسير آي اللّه كتابا سمّاه «المجاز» يعنى به الطريق الذي يسلك إلى فهم كلام اللّه.
فيقول مثلا في تأويل قول اللّه «مالك يوم الدين»: «نصب على النداء، وقد تحذف ياء النداء، مجازه يا مالك يوم الدين لأنه يخاطب شاهدا .. ومجاز من جرّ مالك يوم الدين، أنه حدّث عن مخاطبة غائب (^١)». فيغضب الأصمعي من تأليف هذا الكتاب ويعيب على أبى عبيدة ويقول: «إنه يفسر ذلك برأيه».
قال التوّزيّ (^٢):
بلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه تأليف كتاب المجاز في القرآن، وأنه قال: يفسّر ذلك برأيه. فسأل أبو عبيدة عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو؟
فركب حماره في ذلك اليوم ومرّ بحلقة الأصمعي فنزل عن حماره وسلّم عليه وجلس عنده وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد - وهي كنية الأصمعي - ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله. فقال له أبو عبيدة: فسّرت كتاب اللّه برأيك. قال تعالى: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا (^٣). قال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسّره برأيي. فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا كلّه شيء بان لنا فقلناه ولم نفسّره برأينا. ثم قام فركب حماره وانصرف.
_________________
(١) مجاز القرآن ١: ٢٢ - ٢٣.
(٢) ياقوت ١٩: ١٥٩.
(٣) الآية ٣٦ من سورة يوسف.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وهذه قصة أخرى تظهر ما كان بين الرجلين من منافسة لا يبعد أن يكون مردّها الباطني إلى تلك العداوة العصبية.
قال أبو عثمان المازني (^١): سمعت أبا عبيدة يقول:
أدخلت على الرشيد فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتابا حسنا في صفة الخيل، أحب أن أسمعه منك. فقال الأصمعي: وما تصنع بالكتاب؟ يحضر فرس ونضع أيدينا على عضو عضو ونسمّيه ونذكر ما فيه. فقال الرشيد: يا غلام، أحضر فرسى. فقام الأصمعىّ فوضع يده على عضو عضو وجعل يقول: هذا كذا، قال الشاعر فيه كذا. حتى انقضى قوله، فقال لي الرشيد: ما تقول فيما قال؟ فقلت: قد أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه شيء نعلمه، والذي أخطأ فيه لا أدرى من أين أتى به!
وتشتدّ هذه المنافسة وتعلو حتى نرى الأصمعي يتّهم أبا عبيدة بما قال فيه القائل:
صلّى الإله على لوط وشيعته … أبا عبيدة قل باللّه آمينا
في قصّة نعفّ عن تسجيلها.
وهذا التعصب الشعوبى - إلى ما كان يمتاز به أبو عبيدة من علم واسع - هو الذي دفع بإسحاق بن إبراهيم الموصلي (^٢) الفارسي الأصل، أن يخاطب الفضل ابن الربيع ويوصيه بأن يؤثر أبا عبيدة على الأصمعي، وأن ينفى الأصمعي عن حضرته، وذلك قوله:
_________________
(١) ياقوت ١٩: ١٦٠.
(٢) ابن خلكان ٢: ١٠٧.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
عليك أبا عبيدة فاصطنعه … فإن العلم عند أبي عبيده
وقدّمه وآثره عليه … ودع عنك القريد بن القريده