وذلك أن يقول الشاعر بيتًا يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى.
من ذلك قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معًا كجلمود صخر حطه السيل من عل
فإنما أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلًا مدبرًا، ثم قال " معًا " أي: جميع ذلك فيه، وشبهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل؛ فإذا انحط من عال كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه؟؟ وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله كجلمود صخر حطه السيل من عل إنما هو الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب.
وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلًا ومدبرًا في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج بما يوجد عيانًا؛ فمثله باللجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا روعه.
ومثله قول أبي نواس: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر فزعم من فسره أنه إنما قال " وقل لي هي الخمر " ليلتذ السمع بذكرها كما التذت العين برؤيتها، والأنف بشمها، واليد بلمسها، والفم بذوقها، وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا المذهب، ولا سلك هذا الشعب، ولا أراه
[ ٢ / ٩٣ ]
أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة، ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت: ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر ويروى " فقد أمكن الجهر " فذهب إلى المجاهرة، وقلة المبالاة بالناس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها التي لا اختلاف بين المسلمين فيها.
وقد ثبت أن المأمون ذم أخاه الأمين على المنابر، وذكر في مذامه أنه صحب شاعرًا من أمره ومن قصته أنه يجاهر بالمعاصي، ويقول في قصيدة أولها كذا وأنشد البيت:
فبتنا يرانا الله شر عصابة نجر بأذيال الفسوق ولا فخر
ومثل ذلك قول المفضل الضبي بين يدي الرشيد والكسائي حاضر في معنى قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
وقد سأل الأمين والمأمون: ما معناه؟ فقالا: معناه في قوله " قمراها " تغليب المستعمل عندهم؛ لأن القمر أكثر استعمالًا عند العرب من الشمس، وكذلك قولهم " العمران " لما كان عمر أطول أيامًا وأكثر تأثيرًا، فقال الرشيد: هكذا أخبرنا هذا الشيخ، وأشار إلى الكسائي، فقال المفضل: بل مراده بالقمرين جداك إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآباؤك الطيبون، فأعجب الرشيد بذلك ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ولا أراده، ولا علم أن الرشيد بعده يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد أن كل مشهور فاضل فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف
[ ٢ / ٩٤ ]
بيتًا، وأظهر فضلًا، وأبعد صوتًا، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا.
ويتعلق بهذا قول أبي الطيب يذكر الروم:
وقد بردت فوق اللقان دمائهم ونحن أناس نتبع البارد السخنا
أراد أنا نتبع البارد من الدماء سخنا، كأنه يتوعدهم بقتل آخر، فيكون قد أخذه من قول سويد بن كراع وهي أمه يصف كلابًا وثورًا:
فهز عليه الموت والموت دونه على روقه منه مذاب وجامد
وقال الأصمعي: يعني بالمذاب الحار، وبالجامد والبارد، ويجوز أن يكون أبو الطيب أراد: ونحن أناس نتبع البارد من الطعام سخنا، وكذلك أيضًا عادتنا في الدماء؛ فيكون قد فرع.
وزعم قوم في قوله يشفع لبني كلاب إلى سيف الدولة:
وتملك انفس الثقلين طرًا فكيف تحوز أنفسها كلاب
أنه لم يرد القبيلة، وإنما أراد أن يجعلهم كلابًا على باب التحقير لقدرهم، والتلطف لهم، كما جعلهم في البيت الأول ذئابًا سراقًا، ولا أظن ذلك، بل لا أحققه؛ لأن في القصيدة:
ولو غير الأمير غزا كلابًا ثناه عن شموسهم ضباب
[ ٢ / ٩٥ ]
ولاقي دون ثأيهم طعانًا يلاقي عندها الذئب الغراب
إلا أن يحملوا على الشاعر التناقض، وينسبوه إلى قلة التحصيل؛ فذلك إليهم، على أن هذه القصيدة قليلة النظير في شعره: تناسبًا، وطبعًا، وصنعة، ومثلها الرائية في وزنها وذكر القصة بعينها.