وابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك نحو قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فجعل فلول السيف عيبًا، وهو أوكد في المدح..
وقال النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا
فاستثنى جوده الذي يستأصل ماله، بعد أن وصفه بالكمال. وبهذا الاستثناء ثم وزاد كمالًا وتأكد حسنه..
فتى تم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعاديا
فكأنه لما كان فيه ما يسوء أعاديه لم يطلق عليه أنسه يسر فقط، وذلك زيادة في مدحه، وليس هذا الاستثناء على ما رابه النحويون فتطلبه بحروف الاستثناء المعروفة، وإنما سمي اصطلاحًا وتقريبًا، سماه هؤلاء المحدثون نحو الحاتمي وأصحابه ولم يسم حقيقة..
ومن مليح هذا النوع قول أبي هفان وقد تقدم به وجود غاية التجويد:
ولا عيب فينا غير أن سماحنا أضر بنا، والبأس من كل جانب
فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب
فقوله إن السماح ولبأس أضر بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكن توكيد مدح، والمليح كل المليح قوله " وغير عائب " فهذا الثاني أعجب من الأول وألطف موقعًا.. وقال آخر:
[ ٢ / ٤٨ ]
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام، وأنا لا نخط على النمل
فقصر من جهة قوله غير عرق لمعشر كرام لأن سبيل هذا الباب أن يؤثر فيه بما يظن أنه عيب أو تقصير، وإن كان على التحصيل فخرًا وفضلًا، كالفلول في سيوف النابغة الذبياني، وإتلاف المال في شعر الجعدي، وترك الخط على النمل في شعر لآخر وأنهم لا يشفون صاحبها، وهي داء واحدتها النملة، وأما ذكر الكلام فلا وجه له ههنا.
ومن هذا الباب قول ابن الرومي:
ليس له عيب سوى أنه لا تقع العين على شبهه
فجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيبًا؛ فهو يزيد توكيد حسنه.
وقال حاتم الطائي:
وما تتشكى جارتي غير أنني إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
[ ٢ / ٤٩ ]
سيبلغها خيري ويرجع أهلها إليها ولم تقصر علي ستورها
لما كان في ترك الزيارة إشكال بين مراده.
ومن أصحاب التآليف من يعد في هذا الباب ما ناسب قول الشاعر:
فأصبحت مما كان بيني وبينها سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
وقال الربيع بن ضبيع الفزاري:
فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل امرئ إلا أحاديثه فاني
وليس من هذا الباب عندي، وإنما هو من باب الاحتراس والاحتياط؛ فلو أدخلنا في هذا الباب كل ما وقع فيه استثناء لطال، ولخرجنا فيه عن قصده وغرضه ولكل نوع موضع.