والإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:
[ ٢ / ١٤٣ ]
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول
قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
ما ينكر الناس منا حين نملكهم كانوا عبيدًا وكنا نحن أربابا؟
وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا، محمد
وقال الحاتمي: قول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
قال: ويتلوه قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا
وقال آخرون: بل بيت الفرزدق:
ونحن إذا عدت معد قديمها مكان النواصي من وجوه السوابق
وقال غيرهم: بل قوله لجرير:
وإذا نظرت رأيت فوقك دارمًا والشمس حيث تقطع الأبصارا
وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد:
ولو أن قيسًا قيس عيلان أقسمت على الشمس لم يطلع عليك حجابها
وأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة ذرا منبر صلى علينا وسلما
ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما
[ ٢ / ١٤٤ ]
ومن جيد الافتخار قول بكر بن النطاح الحنفي:
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة ببأس شديد في الكتاب المنزل
وإنا لنلهو بالحروب كما لهت فتاة بعقد أو سخاب قرنفل
يعني قول الله ﷿: " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " فدعوا في خلافة أبي بكر إلى قتال أهل الردة من بني حنيفة، وبسبب هذا الشعر وأشباهه طلبه الرشيد طلبٍ، وقال:
كيف يفتخر على مضر ومنهم رسول الله ﷺ خير البشر؟ فهذا افتخار بالشجاعة خاصة.
وممن افتخر بالكثرة أوس بن مغراء قال:
ما تطلع الشمس إلا عند أولنا ولا تغيب إلا عند أخرانا
وقد أنكر قدامة أن يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحًا بنفسه؛ لأن كثيرًا من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حسن.
وأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي
وإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
وما سودت عجلًا مآثر غيرهم ولكن بهم سادت على غيرهم عجل
قال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حسبه، ويحقر من شأن سلفه، وإنما طريفة المدح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفًا به؛ فجعل لكل واحد منهم حظًا في الفخر وفي المدح نصيبًا، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل كان الكل خالصًا لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت
[ ٢ / ١٤٥ ]
وازداد، وإن أهمل وضيع هلك وباد. وكذلك شرف الوالد يعم القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر.
قال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل الليثي:
إنا وإن أحسابنا كرمت لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقول عامر بن الطفيل الجعفري:
فإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ومن أفخر ما قال المولدون قول إبراهيم الموصلي يفتخر بولائه من خزيمة بن حازم النهشلي:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي وقام بمجدي حازم وابن حازم
عطست بأنفي شامخًا وتناولت يداي الثريا قاعدًا غير قائم
ومن قول السيد أبي الحسن يفخر بقومه بني شيبان:
يا آل شيبان لا غارت نجومكم ولا خبت ناركم من بعد توقيد
لأنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت قبل الخيول لإبرام وتوكيد
المنعمون إذا ما أزمة أزمت والواهبون عتيقات المزاويد
سيوفكم أفقدت كسرى مرازبه في يوم ذي قار إذ جاؤا لموعود
وهذا هو الفخر الحلال غير المدعى فيه ولا المنتحل.
ومما عابه الأصمعي وغيره قول عامر بن معشر بن أسحم يصف أسيرًا أسروه:
[ ٢ / ١٤٦ ]
فظل يخالس المذقات فينا يقاد كأنه جمل ربيق
وذلك بأنه وصف أسيرهم بأنه جائع يخالس القليل الممذوق من اللبن، وإنما ذلك من الجهد.
ومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي فإنها جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة.