حسب الشاعر أن يكون مدحه شريفًا، واقتضاؤه لطيفًا، وهجاؤه إن هجا عفيفًا؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.
فمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع لك الحسب المهذب والسناء
خليل لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بنتها بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة وجودًا إذا ما الكلب أجحره الشتاء
فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط العصم إلى السهل؟؟ ومثله قول الآخر:
لأشكرنك معروفًا هممت به إن اهتمامك بالمعروف معروف
[ ٢ / ١٥٨ ]
ولا ألومك إن لم يمضه قدر فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له مستبطئًا:
أبا موسى، سقى أرض ك دان مسبل القطر
وزاد الله في قدر ك ما أخملت من قدري
لقد كنت أرجيك لما أخشى من الدهر
فقد أصبحت من أوك د أسبابي إلى الفقر
أترضى لي بأن أرضى بتقصيرك في أمري؟
وقد أفنيت ما أفني ت في شكرك من عمري
مواعيد كما أخبت سراب المهمه القفر
فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر
فلم أحصل على قيم ة ما قلمت من ظفري
لعل الله أن يصن ع لي من حيث لا أدري
فألقاك بلا شكر وتلقاني بلا عذر
ولا أرجوك في الحالي ن لا العسر ولا اليسر
فهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي بقايا أمني النفس فيها الأمانيا
فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالبًا لإجمامها أو يرجع الماء طافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ولا هي أعطته الذي كان راجيا
[ ٢ / ١٥٩ ]
ومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحًا يراد به الجد، وهو:
أصابت علينا جودك العين يا عمر فنحن لها نبغي التمائم والنشر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها فإن لم نفق منها رقيناك بالسور
وكنت أنا صنعت في استبطاء:
أحسنت في تأخيرها منة لو لم تؤخر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها بعد يقيني أنها حاصله؟؟
وجنة الفردوس يدعى بها آجلة للمرء لا عاجله
لكنما أضعف من همتي أيام عمر دونها زائله
والعتاب أوسع حدًا من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون بسبب غيرها كثيرًا، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة.