باب الترديد
وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير:
من يلق يومًا على علاته هرمًا يلق السماحة منه والندى خلقًا
فعلق يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة. وكذلك قوله أيضًا:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
فردد أسباب على ما بينت. ولبعض الحجازيين:
ومن لامني فيهم حبيب وصاحب فرد بغيظٍ صاحب وحميم
وقال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال أبو تمام:
خفت دموعك في إثر القطين لدن خفت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلت الكثيب ترديدًا لجاز.. وقال ابن المعتز:
لو شئت لا شئت خليت السلو له وكان لا كان منكم في معافاتي
وقال أيضًا في مثل ذلك:
أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى ويوسف أضناني ويوسف يوسف
ولبعضهم وأظنه الصنوبري:
أنت عذري إذا رأوك، ولكن كيف عذري إذا رأوك تخون
الترديد في قوله " إذا رأوك ".. وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى جواد بخيل بأن لا يجودا
[ ١ / ٣٣٣ ]
الترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار القدماء جدًا.
والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يومًا وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يومًا وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.
ويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك الخليع:
لقد ملأت عيني بغير محاسن ملأن فؤادي لوعةً وهموما
لقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي:
راح إذا ما الراح كان مطيها كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس بن مرداس:
تعرض للسيوف بكل ثغر وجوهًا لا تعرض للطسام
[ ١ / ٣٣٤ ]
وحمل قوم قول امرئ القيس فثوبًا لبست وثوبًا أجر على أنه تكرار لا ترديد فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني غير إفادة الأول حسب ما شرطوا.
ومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد:
جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النغم
ومن أملح ما سمعته قول ابن العميد:
فإن كان مسخوطًا فقل شعر كاتب وإن كان مرضيًا فقل شعر كاتب
وهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس الشعر من صناعته كما حكى ابن النحاس أنهم يقولون " نحو كتابي " إذا لم يكن مجودًا، وقوله عند الرضا شعر كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان اللفظ تجنيسًا مرددًا.
وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا قلاقل عيشٍ كلهن قلاقل
فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله:
أسد فرائسها الأسود، يقودها أسد، تكون له الأسود ثعالبا
فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسودًا؟ ولا أقول إنه بيت شعر، وأين يقع هذا من قول غيره:
فصبح الوصال وليل الشباب وصبح المشيب وليل الصدود
[ ١ / ٣٣٥ ]