تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله " ٤٥
باب التصدير " أعان الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله.
[ ١ / ٣٣٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
باب التصدير
وهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقًا وديباجة ويزيده مائية وطلاوة.
وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر:
يلفي إذا ما الجيش كان عرمرمًا في جيش رأي لا يفل عرمرم
الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله:
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه وليس إلى داعي الندى بسريع
والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر:
عزيز بني سليم أقصدته سهام الموت وهي له سهام
والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديرًا إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقًا، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم.
ومن أبيات التصدير قول زهير:
كذلك خيمهم، ولكل قومٍ إذا مستهم الضراء خيم
وقال أيضًا في ذلك:
له في الذاهبين أروم صدق وكان لكل ذي حسب أروم
[ ٢ / ٣ ]
وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي:
وما كل ذي لب بموتيك نصحه وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديدًا للعلة التي ذكرتها.
ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي:
محارمك أمنعها من القوم؛ إنني أرى جفنة قد ضاع فيها المحارم
وقال جرير وهم يستحسنوه جدًا:
سقى الرمل جون مستهل ربابه وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقال عمرو بن الأحمر:
تغمرت منها بعد ما نفد الصبا ولم يروا من ذي حاجة من تغمرا
تغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جدًا، ضربه مثلًا، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد.
ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق:
أصدر همومك لا يغلبك واردها فكل واردة يومًا لها صدر
وأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديرًا كما جعله أولًا طباقًا كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة.
ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي:
ريحانهم ذهب على درر وشرابهم درر على ذهب
والكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس.
ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب:
يا بياضًا أذرى دموعي حتى عاد منها سواد عيني بياضًا
[ ٢ / ٤ ]
وأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها:
دقت ورقت مذقة من مائها والعيش بين رقيقتين رقيق
وأنشد لمسلم بن الوليد:
تبسم عن مثل الأقاح تبسمت له مزنة صيفية فتبسما
وهذا البيت أيضًا ترديد، وأنشد للطائي:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء من الأشياء كالمال المضاع
فالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلبًا لها من القدماء، وهي في أشعارهم أوجد كما قدمت آنفًا.