وهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعًا، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قومًا بأنهم لا يأخذون إلا القود دون الدية:
لا يشربون دمائهم بأكفهم إن الدماء الشافيات تكال
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى لامرأة حارثية:
فيقتل خير بامرئ لم يكن له بواء ولكن لا تكايل بالدم
ويروى " في فتى لم يكن له وفاء " فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبنًا، لكن آخذ دمًا بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيسًا مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بلونا أبا سعيد حديثًا وبلونا أبا سعيد قديمًا
ووردناه سائحًا وقليبًا ورعيناه بأرضًا وجميمًا
فعلمنا أن ليس إلا بشق الن فس صار الكريم يدعى كريمًا
وقال أبو الطيب في خلافه:
لو كفر العالمون نعمته لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت تكرمة عندهم ولا جاها
وإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله:
جبر الكسير إذا يهاض جناحه لجأ المطرد مستغاث المملق
[ ٢ / ١٠١ ]
جمع الفضائل والمحامد والعلا خلق لعمر أبيك غير تخلق
وأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء وللخو ف ولكن يلذ طعم العطاء
وقال البحتري في نحو ذلك:
لا يتعب النائل المبذول همته وكيف يتعب عين الناظر النظر؟!
وكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيرًا ما يخالف الشعراء ويغاير مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في قصيدة:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت له الرقاب ودانت خوفه الأمم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فالموت والموت لا شيء يعادله ما زال يتبع ما يجري به القلم
وهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه وذهب مذهبًا آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بذا أبدًا قبل الكتاب بها فإنما نحن للأسياف كالخدم
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر:
ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر
[ ٢ / ١٠٢ ]
فجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له:
ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ضمورًا على جراتها ما تجيزها
فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفًا من النحر، وهذا المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي ﷺ، وهما:
وأبيك حقًا إن إبل محمد عزل نوائح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبة فدموعهن على الخدود سجال
يقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح لذلك، وقوله وإذا رأين لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول الله ﷺ.
ومن مليح التغاير قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هوام لذيذة حبًا لذكرك؛ فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب في عكس هذا:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟ إن الملامة فيه من أعدائه
وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: وأصله من قول أبي نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذل فممزوجًا بتسمية الحبيب
ولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام:
[ ٢ / ١٠٣ ]
لم يبق غير العذل من أسبابهم فأحب من يدنو إلي عذول
يغدو فر مستخبر عن حالهم غيري، ولا مستخبر مسئول