وهو: أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملا، وقل ما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة:
لقد جئت قومًا لو لجأت إليهم طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيًا ومطاعنًا وراء شزرًا بالوشيج المقوم
هذا جيد في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسر الآخر أولًا والأول آخرًا؛ فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب والأبعد على الأبعد أصح في الكلام.
وأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه بعينه ما لم يكن في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه:
خوى على مستويات خمس كركرة وثفنات ملس
لأن هذا كالبيت المصرع فهو بيتان من مشطور الرجز ومن التفسير الجيد قول حاتم الطائي، ويروي لعتيبة بن مرداس:
[ ٢ / ٣٥ ]
متى ما يجئ يومًا إلى المال وارثي يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرسًا مثل العنان وصارمًا حسامًا إذا ما هز لم يرض بالهبر
وأسمر خطيًا كأن كعوبة نوى القسب قد أربى ذراعًا على العشر
فهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يعلق كلامه بلو كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كليًا؛ فلهذا حسن عندي..
ومثله قول عروة بن الورد:
وإن امرأ يرجو تراثي وإن ما يصير له منه غدًا لقليل
ومالي مال غير درع ومغفر وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأشمر خطي القناة مثقف وأجرد عريان السراة طويل
هكذا أنشدوه بالإقواء، ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار، كأنه قال: هو صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد، يعني سيفه.
وقال ذو الرمة في التفسير:
وليل كجلباب العروس ادرعته بأربعة والشخص في العين واحد
أحم علافي، وأبيض صارم وأعيس مهري، وأروع ماجد
ففسر الأربعة ما هي، ورفع على شرط ما قدمت من الإضماز، كأنه قيل له: ما الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال: كذا وكذا وكذا..
ومن التفسير ما يفسر الأكثر فيه بالأقل، وهو من باب الإيجاز والاختصار:
[ ٢ / ٣٦ ]
وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح، نحو قول أبي الطبيب:
من مبلغ الأعراب أني بعدها جالست رسطاليس والإسكندرا
ومللت بحر عشارها فأضافني من ينحر البدر النضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه متملكًا متبديًا متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
فقوله نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا وأتى فذلك إذ أتيت تفسير مليح قليل النظير في أشعار الناس..
وتعلقت به في بعض مدح السيد أبي الحسن فقلت:
أتى بعد أهل العلى كجملة شيء شرح
وقد أتى به أبو الطيب في بيت واحد فقال:
إذا عد الكرام فتلك عجل كما الأنواء حين تعد عام
فهذا الذي كنا نرغب فيه لكون المفسر والمفسر به في بيت واحد.
ونظيره قوله أيضًا:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم وألف إذا ما جمعت واحد فرد
فجاء به أيضًا في بيت واحد.
وكذلك قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ومن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
فأرسلنا ربيئتنا فأوفى فقال: ألا أولى خمس رتوع
رباعية وقارحها وجحش وثالثة وهادية زموع
ففسر ما هي، وأنثها لغلبة التأنيث على اسم الدواب..
وقال مالك بن خريم، وقيل: حزيم:
[ ٢ / ٣٧ ]
فإن يك شاب الرأس منى فأنني أبيت على نفسي مناقب أربعا
فواحدة أن لا أبيت بغرة إذا ما سوام الحي حولي تضوعا
وثانية أن لا تفزع جارتي إذا كان جار القوم فيهم مفزعا
وثالثة أن لا أصمت كلبنا إذا نزل الأضياف حرصًا لنودعا
ورابعة أن لا أحجل قدرنا على لحمها حين الشتاء لنشبعًا
" أجحل " أستر، أجعلها في حجلة لتخفى عن الجار رغبة أن نشبع، ولكن أبرزها وكتب أحمد بن يوسف وفي رواية النحاس: عمرو بن مسعدة عن المأمون " أما بعد فقد أمر أمير المؤمنين من الإستكثار من المصابيح في شهر رمضان؛ فإن في ذلك أنسًا للسابلة، وضياء للمجتهدين، ونفيًا لمكامن الريب، وتنزيهًا لبيوت الله ﷿ عن وحشة الظلم ".
ومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب:
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
فإنه قد أحكمه أشد إحكام، وجاء به أحسن مجيء، حتى أربى على البحتري إذ يقول:
بأروع من طيٍ كأن قميصه يزر على الشيخين زيد وحاتم
سماحًا وبأسًا كالصواعق والحيا إذا اجتمعا في العارض المتراكم
وقد رد الكلام جميعًا آخره على أوله..
وأصل هذا المعجز قول الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا ".
وقال أبو الطيب أيضًا في التفسير المستحسن:
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
ففسر وقابل كل نوع بما يليق به، من غير تقديم ولا تأخير، كالذي وقع أولًا في بيتي الفرزدق..
ومن التفسير قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين:
[ ٢ / ٣٨ ]
في فمها مسك، ومشمولة صرف، ومنظوم من الدر
فالمسك للنكهة والخمر للري قة واللؤلؤ للثغر
وهذا من مليح ما وقع للمحدثين.
وقال لقمان لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقًا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.