المخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه، فلم ينازعه أحد إياه، وقوله:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي
وله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعًا في الشعر، وأكثرهم توليدًا.
ومن الاختراع قول طرفة:
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنبًا كسيد الغضاذي الطخية المتورد
[ ١ / ٢٦٢ ]
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنةٍ تحت الطراف المعمد
وقوله يصف السفينة في جريها:
يشق حباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المفائل باليد
وله أيضًا اختراعات أكثرها من هذه القصيدة. وقال نابغة بني ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
وقوله أيضًا من الاختراعات:
لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ عبد الإله صرورةٍ متعبد
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ولخاله رشدًا وإن لم يرشد
وما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولد، غير أن ذلك قليل في الوقت والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة؛ فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع؛ لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضًا سرقة إذا كان ليس آخذًا على وجهه، مثال ذلك قول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
فقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة،، وقيل: وضاح اليمن:
فاسقط علينا كسقوط النوى ليلة لا ناهٍ ولا زاجر
فولد معنى مليحًا اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه في شيء من لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية.
وأما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل:
[ ١ / ٢٦٣ ]
يخرجن من مستطير النقع داميةً كأن آذانها أطراف أقلام
فقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال:
تزجي أغن كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
فولد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود. وقال العماني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس:
تخال أذنيه إذا تشوفا قادمةً أو قلما محرفا
فولد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة.
ومن التوليد قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
لكل قبيلة ثبج وصلب وأنت الرأس أول كل هاد
فقال نصيب لمولاه عمر بن عبد العزيز:
فأنت رأس قريش وابن سيدها والرأس فيه يكون السمع والبصر
فولد هذا الشرح وإن كان مجملًا في قول أمية بن أبي الصلت ثم أتى علي بن جبلة فقال يمدح حميد بن الحميد:
فالناس جسم، وإمام الهدى رأس، وأنت العين في الرأس
فأوقع ذكر العين على مشبه معين، ولم يفعل نصيب كذلك، لكن أتى بالسمع والبصر على جهة التعظيم؛ لأن من ولد عمر ولي عهد، ففي قول علي بن جبلة زيادة.. وجاء ابن الرومي فقال:
عين الأمير هي الوزي ر، وأنت ناظرها البصير
فرتب أيضًا ترتيبًا فيه زيادة، فهذا مجرى القول في التوليد.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وأكثر المولدين اختراعًا وتوليدًا فيما يقول الحذاق أبو تمام، وابن الرومي.
والفرق بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية واحدًا أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق.
واشتقاق الاختراع من التليين يقال: " بيت خرع " إذا كان لينًا، والخروع فعول منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى ولينه حتى أبرزه.
وأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل جديدًا ليس من قوى حبل نقضت ثم فتلت فتلًا آخر. وأنشدوا للشماخ بن ضرار:
أطار عقيقه عنه نسالا وأدمج دمج ذي شطر بديع
والبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع البديع، وألف فيه كتابًا لم يعده إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعد ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعًا، وخالفه من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.