ولما كان المشاهير من الشعراء كما قدمت أكثر من أن يحصوا ذكرت من المقلين وأصحاب الواحدة من وسع ذكره في هذا الموضع، ونبهت على بعض المغلبين منهم؛ لما تدعو إليه حلجة التأليف، وتقتضيه عادة التصنيف، غير مفرط ولا مفرط، إن شاء الله.
فمن المقلين في الشعر: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة الفحل، وعدي بن زيد، وطرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء، وهي المعلقة:
لخوله أطلال ببرقة تمهد.
وله سواها يسير؛ لأنه قتل صغيرًا حول العشرين فيما روى، وأصح ما في ذلك قول أخته ترثيه:
عددنا له ستًا وعشرين حجة فلما توفاها استوى سيدًا ضخما
[ ١ / ١٠٢ ]
فجعنا به لما رجونا إيابه على خير حال لا وليدًا ولا قحما
أنشده المبرد، والقحم: المتناهي في السن. وعبيد بن الأبرص قليل الشعر في أيدي الناس على قدم ذكره، وعظم شهرته، وطول عمره، ويقال: إنه عاش ثلاثمائة سنة، وكذلك أبو دواد، وعبيد الذي أجاب امرأ القيس عن قوله حين قتلت بنو أسد أباه حجرًا:
وأفلتهن علباء جريضًا ولو أدركنه صفر الوطاب
فقال له عبيد وقرعه بقسم من شعره:
فلو أدركت علباء بن قيس قنعت من الغنيمة بالإياب
لأن امرأ القيس قد كان قد قال:
وقد طوقت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقتل عبيدًا النعمان بن المنذر يوم بؤسه، وقيل: عمرو بن هند. وعلقمة ابن عبدة حاكم امرأ القيس في شعره إلى امرأته، فحكمت عليه لعلقمة، فطلقها، وتزوجها علقمة فسمي الفحل لذلك، وقيل: بل كان في قومه آخر يسمى علقمة الخصي من ربيعة الجوع.
ولعلقمة الفحل ثلاث قصائد مشهورات إحداهن: ذهبت من الهجران في كل مذهب ويروي في غير مذهب وفي هذه القصيدة وقع الحكم له على امرئ القيس، والثانية قوله:
[ ١ / ١٠٣ ]
طحا بك قلب في الحسان طروب والثالثة قوله: هل ما علمت وما استودعت مكتوم وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وإلا فهو مقل، ومشهوراته أربع: قوله:
أرواح مودع أم بكور؟.
وقوله:
أتعرف رسم الدار من أم معبد؟.
وقوله:
ليس شيء على المنون بباقي.
وقوله:
لم أر مثل الفتيان في غير ال أيام ينسون ما عواقبها
وقال بعض العلماء وأحسبه أبا عمرو: وعدي في الشعراء مثل سهيل في النجوم: يعارضها ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها.
ومن المقلين المحكمين سلامة بن جندل، وحصين بن الحمام المري، والمتلمس، والمسيب بن علس: كل أشعارهم قليل في ذاته جيد الجملة.
[ ١ / ١٠٤ ]
ويروى عن أبي عبيدة أنه قال: اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المري، وأما أصحاب الواحدة فطرفة أولهم عند الجمحي، وهو الحكم الصواب.
ومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، من أصحاب المعلقات المشهورات، وعمرو بن معدي كرب، صاحب:
أمن ريحانة الداعي السميع.
والأسعر بن أبي حمران الجعفي صاحب المقصورة:
هل بان قلبك من سليمى فاشتفى؟.
وسويد بن أبي كاهل، صاحب:
بسطت رابعة الحبل لنا.
والأسود بن يعفر، صاحب:
نام الخلي فما أحس رقادي
وله شعر كثير، إلا أنه لا ينتهي إلى قصيدته هذه.
وكان امرؤ القيس مقلًا، كثير المعاني والتصرف، لا يصح له إلا نيف وعشرون شعرًا بين طويل وقطعة، ولا ترى شاعرًا يكاد يفلت من حبائله، وهذه زيادة في فضله وتقديمه.
[ ١ / ١٠٥ ]
وأما المغلبون فمنهم نابغة بني جعدة، ومعنى المغلب: الذي لا يزال مغلوبًا. قال امرؤ القيس:
فإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب
يعني أنه إذا قدر لم يبق، فإذا قالوا: غلب فلان فهو الغالب. وقد غلب على الجعدي أوس بن مغراء القريعي، وغلبت عليه ليلى الأخيلية، قال الجمحي: وقد غلب عليه من لم يكن إليه في الشعر ولا قريبًا منه: عقال بن خويلد العقيلي وكان مفحمًا بكلام لا بشعر، وهجاه سوار بن أوفى القشيري، وهاجاه وفاخره الأخطل، وله يقول عبيد بن حصين الراعي يتوعده:
فإني زعيم أن أقول قصيدة مبينة كالنقب بين المخازم
خفيفة أعجاز المطي، ثقيلة على قربها، نزالة بالمواسم
وقد علم الكافة ما صنع جرير بالأخطل والراعي جميعًا، وقيل: إن موت الجعدي كان بسبب ليلى الأخيلية: فر من بين يديها فمات في الطريق مسافرًا، والأصح أنها هي التي ماتت في طلبه. قال الجمحي: كان النابغة الجعدي أقدم من الذبياني؛ لأنه أدرك المنذر بن محرق، ويشهد بذلك قوله:
تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ومن عادة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرق فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا
والذبياني إنما أدرك النعمان، وقال غيره: إن النابغة الذبياني شفع عند
[ ١ / ١٠٦ ]
الحارث بن أبي شمر الغساني حين قتل المنذر في أسارى بني أسد فشفعه، وإياه عني علقمة بن عبدة بقوله:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشاس من نداك ذنوب
قال الجمحي: وكان الجعدي مختلف الشعر، سئل عنه الفرزدق فقال: مثله مثل صاحب الخلقان: ترى عنده ثوب عصب، وثوب خز، وإلى جنبه شملة كساء. وكان الأصمعي يمدحه بهذا، وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بواف، ومطرف بآلاف بواف: يعني بدرهم وثلث.
ومن المغلبين الزبرقان، غلبه عمرو بن الأهتم، وغلبه المخبل السعدي، وغلبه الحطيئة، وقد أجاب الاثنين ولم يجب الحطيئة.
وقال يونس بن حبيب: كان البعيث مغلبًا في الشعر، غلابًا في الخطب.
ومنهم تميم بن أبي بن مقبل: هجاه النجاشي فقهره وغلب عليه، حتى استعدى قومه عمر بن الخطاب ﵁، ولم يكن من أشكاله في الشعر فيقرن به، وهاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان فغلبه عبد الرحمن وأفحمه.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن جعفر، قال: هجا الأعور بن براء بني كعب، ومدح قومه بني كلاب، فأتت بنو كعب تميم بن أبي بن مقبل ينتصرون عليه به، فقال: لا أهجوهم، ولكني أقول فارووا فقد جاءكم الشعر، وقال:
ولست وإن شاحنت بعض عشيرتي لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر
فكم لي من أم لعبت بثديها كلابية عادت عليها الأواصر
فأتت الأعور بن براء بنو كعب فعنفوه ورجعوا عليه، فقال:
ولست بشاتم كعبًا، ولكن على كعب وشاعرها السلام
[ ١ / ١٠٧ ]
ولست ببائع قومًا بقوم هم الأنف المقدم والسنام
وكائن في المعاشر من قبيل أخوهم فوقهم وهم كرام
فتسالما، وكان سبب ذلك إغضاء بن مقبل وإعطاؤه المقادة هربًا من الهجاء، وقوم يرون ذلك منه أنفة.
ومن مغلبي المولدين على جلالته، وتقدمه بشار بن برد، فإن حماد عجرد وليس من رجاله، ولا أكفائه هجاه فأبكاه، ومثل به أشد تمثيل.
وعلي بن الجهم: هاجى أبا السمط مروان بن أبي الجنوب فغلبه مروان، وهاجاه البحتري فغلب عليه أيضًا، على أن عليًا أقذع منه لسانًا، وأسبق إلى ما يريده من ذلك، وأقدم سنًا.
ومنهم حبيب: هاجى السراج وعتبة فما أتى بشيء، وهجاه ابن المعذل حين أراد وجهته فقال: أما هذا فقد كفى ناحيته، ولم يقدم عليه، على أن حبيبًا أطول منه ذكرًا وأبعد صوتًا في الشعر، والذي قال له:
أنت بين اثنتين، تبرز للنا س لكلتيهما بوجه مذال
لست تنفك طالبًا لوصال من حبيب أو راغبًا في نوال
أي ماء لحر وجهك يبقى بين ذل الهوى وذل السؤال؟
ورأيت في شعر ابن المعذل في رواية المبرد أن عبد الصمد اجتمع بحبيب عند بعض بني هاشم، فكتب في رقعة هذه الأبيات المذكورة وألقاها إليه، وهاجى دعبلًا فاستطال عليه دعبل أيضًا.
[ ١ / ١٠٨ ]