قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغًا واحدًا، وسبك سبكًا واحدًا؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، وخف محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلي في فم سامعه، فإذا كان متنافرًا متباينًا عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء.
وأنشد الجاحظ قال: أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف:
وبعض قريض القوم أبناء علةٍ يكد لسان الناطق المتحفظ
وأنشد عنه أبي البيداء الرياحي:
وشعرٍ كبعر الكبش فرق بينه لسان دعي في القريض دخيل
واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي:
من كان ذ عضدٍ يدرك ظلامة إن الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
[ ١ / ٢٥٧ ]
والناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، من ذلك قوله:
تطيب بمسراها البلاد إذا سرت فيفغم رياها ويصفو نسيمها
ففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. وكذلك قوله:
ضاق صدري بما أج ن وقلبي بما أجد
وقوله أيضًا في مدح المتوكل:
لقد اصطفى رب السما ء له الخلائق والشيم
ومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كلامه " أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد " فأتبع كل لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها. ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبإ الزق الروي، ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يومًا هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال:
كأني لم أركب جوادًا، ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت،
[ ١ / ٢٥٨ ]
وذكر النساء والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلموا له ما قال، فقال رجل ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، والله أصدق منك حيث يقول:
" إن لا ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " فأتى بالجوع مع العري ولم يأت به مع الظمأ، فسر سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة.
قال صاحب الكتاب: قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أعر وأغرب؛ لأن اللذة التي ذكرها إنما هي الصيد، هكذا قال العلماء، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء: فجمع في البيت معنيين، ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة، وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني: لو نظمه على ما قال لكان ذكر اللذة حشوًا لا فائدة فيه؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، فإن جعل الفتوة كما جعلناها فيما تقدم الصيد قلنا: في ذكر الزق الروي كفاية ولكن امرأ القيس وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهة.
وأما احتجاج الآخر بقول الله ﷿ فليس من هذا في شيء؛ لأنه أجرى الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب؛ لأن العادة أن يقال: جائع عريان، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمآن، وقوله تعالى: " تظمأ " و" تضحى " متناسب؛ لأن الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس، والظمأ من شأن من كانت هذه حاله.
وقال الجاحظ: في القرآن معان لا تكاد تفترق، من مثل: الصلاة والزكاة، والخوف والجوع، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس، والسمع والبصر.
ومن الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه؛ فيكون كلامه ظاهرًا
[ ١ / ٢٥٩ ]
غير مشكل، وسهلًا غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام، فقد عيب على من لا تعلق به التهمة نحو قول الفرزدق:
على حالة لو أن في البحر حاتمًا على جوده ما جاد بالماء حاتم
فخفض حاتمًا على البدل من الهاء التي في " جوده " حتى رأى قوم من العلماء أن الإقواء في هذا الموضع خير من سلامة الإعراب مع الكلفة، وكذلك قوله:
نفلق هامًا لم تنله أكفنا بأسيافنا هام الملوك القماقم
أراد: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم نبه وقرر فقال: هامًا لم تنله أكفنا، يريد أي قوم لم نملكهم ونقهرهم، وهذا عند الصدور المذكورين بالعلم تكلف وتعمل، لا تعرفه العرب المطبوعون، وكذلك:
إن الفرزدق صخرة عادية طالت فليس تنالها الأوعالا
نصب الأوعال بطالت، ويروي " عزت ". وأكثر شعر أبي الطيب من هذه العلامة، ومما لا بأس به قول الخنساء:
فنعم الفتى في غداة الهياج إذا ما الرماح نجيعًا روينا
فقدمت " نجيعًا " على " روينا " مبادرة للخبر بالري من أي شيء هو، وكذلك قول أبي السفاح بكير بن معدان اليربوعي:
نهنهته عنك فلم ينهه بالسيف إلا جلدات وجاع
[ ١ / ٢٦٠ ]
أراد نهنهته عنك بالسيف، أو أراد فلم ينهه إلا جلدات وجاع بالسيف، وكلاهما فيه تقديم وتأخير.
ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضى له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين.
ومن الشعر ما تتقارب حروفه أو تتكرر فتثقل على اللسان، نحو قول ابن بشر:
لم يضرها والحمد لله شيء وانثنت نحو عزف نفس ذهول
فإن القسيم الآخر من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من السين.
وقال آخر:
وقبر حرب في مكان قفرٍ وليس قرب قبر حرب قبر
فتكررت الألفاظ، وترددت الحروف، حتى صار ألقية يختبر به الناس، ولا يقدر أحد أن ينشده ثلاث مرات إلا عثر لسشانه فيه وغلط.
وقال كعب بن زهير:
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول
فجمع بين الضاد والذال والظاء، وهي متقاربة متشاكلة.
ومن حسن النظم أن يكون الكلام غير مثبج، والتثبيج: جنس من المعاظلة ترد في بابها إن شاء الله تعالى.
ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيًا بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائمًا بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما نعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء
[ ١ / ٢٦١ ]
اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد، ولم أستحن الأول على أن فيه بعدًا وتنافرًا، إلا أنه إن كان كذلك فهو الذي كرهت من التثبيح.