الوحشي من الكلام: ما نفر عنه السمع، والمتكلف: ما بعد عن الطبع، والركيك: ما ضعفت بنيته، وقلت فائدته، واشتقاقه من الركة، وهي المطر الضعيف، وقيل: من الرك، وهو الماء القليل على وجه الأرض.
وأنشد النحاس
تهادى كعوم الرك يقطعه الحيا بأبطح سهل حين تمشي تأودا
وفلان ركيك أي: ضعيف العقل، ويقال للوحشي أيضًا: حوشي، كأنه منسوب إلى الحوش، وهي بقايا إبل وبار بأرض قد غلبت عليها الجن فعمرتها ونفت عنها الإنس، لا يطؤها إنسي إلا خبلوه.
قال رؤبة: جرت رجالًا من بلاد الحوش وإذا كانت اللفظة خشنة مستغربة: لا يعلمها إلا العالم المبرز، والأعرابي القح؛
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها.
وكان أبو تمام يأتي بالوحشي الخشن كثيرًا ويتكلف.
وكذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته، نحو قوله: كل آخائه كرام بني الدنيا ولكنه كريم كرام وهذا مع غرابته وتكلفه غير محمول على ضرورة يكون فيها عذر؛ لأن قوله كل إخوانه يقوم مقامه بلا بغاضة.
ومن التكلف قول إبراهيم بن سيار للفضل بن الربيع، ويروى أيضًا لإبراهيم بن شبابة:
هبني ظلمت وما ظلمت بل ظلم ت أقر كي يزداد طولك طولا
إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي فأحط بجرمي عفوك المأمولا
فتبارك الله كأنهما لم يخرجا من ينبوع واحد.
قال إبراهيم بن المهدي لعبد الله بن صاعد كاتبه: إياك وتتبع الوحشي من الكلام طمعًا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر، عليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.
وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب بالبلاغة:
لم يتبع شنع اللغات، ولا مشى رسف المقيد في طريق المنطق
ينشق في ظلم المعاني إن دجت منه تباشير الكلام المفلق
وقال علي بن بسام:
ولا خير في اللفظ الكريه استماعه ولا في قبيح اللحن والقصد أزين
قال علي بن عيسى الرماني: أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك، وكل
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ذلك اجتمع في بيت الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا أبو أمه حي أبوه يقاربه
فالتغيير على الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير " وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا أبو أمه أبوه " يريد بالمملك هشام بن عبد الملك، والممدوح هو إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك؛ وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله " أبو أمه أبوه " وكان يجزئه أن يقول " خاله " وأما المشترك فقوله " حي يقاربه " لأنها لفظة " حي " تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان المتصف بالحياة، قال:
وإذا تفقدت أبيات المعاني لا تخرج عن هذه الأسباب الثلاثة.
وحكى الصولي قال: أنشدني بعض الكتاب عن أحمد بن يحيى ثعلب قول البحتري للحسين بن وهب:
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت برقت مصابيح الدجى في كتبه
فاللفظ يقرب فهمه من بعده منا، ويبعد نيله في قربه
حكم سحائبها خلال بنانه هطالة، وقليبها في قلبه
كالروض مؤتلفًا بحمرة نوره وبياض زهرته وخضرة عشبه
وكأنها والسمع معقود بها وجه الحبيب بدا لعين محبه
واستعادها أبو العباس حتى فهمها، ثم قال: لو سمع الأوائل هذا الشعر لما فضلوا عليه شعرًا.