كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها.
قال ابن مقبل:
بني عامر، ما تأمرون بشاعر تخير آيات الكتاب هجانيا؟
أأعفو كما يعفو الكريم فإنني أرى الشغب فيما بيننا متدانيا
[ ٢ / ١٦٧ ]
أم اغمض بين الجلد واللحم غمضة بمبرد رومي يقط النواصيا
فأما سراقات الهجاء فإنها كلام تهاداه اللئام تهاديا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه بحرد فلا يبقى من العظم باقيا
وعندي الدهيم لو أحل عقالها فتصبح لم تعدم من الجن حاديا
شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية.
وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا
أبني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنبا
" أحكموا " كفوا، ومن حكمة اللجام.
وقال أيضًا لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوأة عمر
وكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من التصرف، فقال يتوعده:
قولوا لنحوينا أبي حسن إن حسامي متى ضربت مضى
وإن نبلي متى هممت بأن أرمي نصلتها بجمر غضى
لا تحسبن الهجاء يحفل بال رفع ولا خفض خافض خفضا
ولا تخل عودتي كبادئتي سأسعط السم من عصى الحضضا
أعرف في الأشقياء لي رجلًا لا ينتهي أو يصير لي غرضا
يليح لي صفحة السلامة والس لم، ويخفي في قلبه الرضا
[ ٢ / ١٦٨ ]
يضحي مغيظًا علي أن غضب ا لله عليه ونلت منه رضا
وليس تجدي عليه موعظتي إن قدر الله حينه فقضى
كأنني بالشقي معتذرًا إذا القوافي أذقنه مضضا
ينشدني العهد يوم ذلك وال عهد خفار إذا له قبضا
لا يأمنن السفيه بادرتي فإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط إن تلوم في ال سير وعندي اللجام إن ركضا
أسمعت أنباء صيتي أبا حسنٍ والنصح لا شك نصح من محضا
وهو معافى من السهاد فلا يجهل فيشرى فراشه قضضا
أقسمت بالله لا غفرت له إن واحد من عروقه نبضا
وكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب:
يا موجعي شتمًا على أنه لو فرك البرغوث ما أوجعا
كل له من نفسه آفة وآفة النحلة أن تلسعا
وقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد:
من يصحب الناس مطويًا على دخل لا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل
لا تستطيلوا على ضعفي بقوتكم إن البعوضة قد تعدو على الفيل
وجانبوا المزح إن الجد يتبعه ورب موجعة في إثر تقبيل
ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:
يا قوم لا يلقيني منكم أحد في المهلكات؛ فإني غير مغلول
لا تدخلوا بالرضا منكم على غرر فتخربوا لليث غضبانًا من الغيل
إلا تكن حملت خيرًا ضمائركم أكن تأبط شرًا ناكح الغول
[ ٢ / ١٦٩ ]