ولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي أنف منه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتًا لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئًا من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا وأمله ديك الصباح صياحا
فقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:
عاصى الشباب فراح غير مفند وأقام بين عزيمه وتجلد
فقال أبو نواس:
ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلًا مقيمًا في حال، هذا متناقض.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيبًا وجده ومن طلب له مخرجًا لم يفته.
قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول الله ﷿: " وأنه أهلك عادًا الأولى " فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود وكان يقال لثمود عاد الصغرى.
وخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر الآمدي على البحتري قوله:
[ ٢ / ٢٤٦ ]
هجرتنا يقظى وكادت على مذ هبها في الصدود تهجر وسنى
قال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:
أرد دونك يقظانًا ويأذن لي عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام إلا مهجورًا، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: " فلان لا يرى لي منامًا صالحًا " وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة؛ لأنه أولًا يحكي عنها، وثانيًا يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكًا ظاهرًا.
وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.
قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد الكعوب صلبًا، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: " ذبلت شفتاه " إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين؛ فإنهم يقولون: " نوارة ذابلة " وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:
وليل كإبهام الحباري محبب إلي هواه غالب لي باطله
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن كمن نبله محرومة وحبائله
فيا لك يومًا خيره قبل شره تغيب واشيه وأقصر عاذله
قال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون " خيره دون شره " فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديمًا تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه إلا كذا.
قلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهارًا، وذلك هو الشر الذي ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي لفظة مشتركة، وتكون أيضًا بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته:
وصدر لها مهيع كالحليف تخال بأن عليه شليلا
لأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضًا كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله:
لماذا تتبع النفس شيئًا جعل الله الفردوس منه جزاء
قال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. وأنشد له أيضًا:
أبا غالب بالجود تذكر واجبي إذا ما غني الباخلين نسيه
وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأسًا، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعًا لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالًا، وأيضًا فكأنه أعني البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبدًا إلى الجر.
وأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه:
وأحق الأيام بالأنس أن يؤ ثر فيه يوم المهرجان الكبير
وأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا:
وأحق الأيام بالأنس أن تؤ ثره فيه يوم المهرجان الكبير
وأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وما هو إلا نمش أي: نمسح، والمشوش المنديل.
وكذلك قول المفضل:
إذا ألم خيالها طرقت عيني فماء شجونها سجم
وإنما هو طرفت بالفاء.
وأخذ عليه الأصمعي في قول أوس: تصمت بالماء تولبًا جذعا وإنما هو جدعًا بدال مكسورة غير معجمة، ولأمر ما قال ذو الرمة لموسى بن عمرو: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام.
قال الأخطل: أخطأ الفرزدق حيث قال:
أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكم من بين ألأم اوجه وسبال
كيف يكون وهب له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ فانبرى له فتى من بني تميم فقال: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف:
فما جذع سوء خرق السوس بطنه لما حملته وائل بمطيق
أردت هجاءه فزعمت أن وائلًا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير، ومنعته القليل، وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع من قدره؛ فقلت:
وسود حاتمًا أن ليس فيها إذا ما أوقد النيران نار
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فأعطيته السؤدد من قيس الجزيرة، ومنعته ما لا يضر منعه؛ وأردت أن تمدح سماكًا الأسدي فقلت:
نعم المجير سماك من بني أسد بالطف إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه فالآن طير عن أثوابه الشرر
فانصرف الأخطل خجلًا.
قال الحسن لعلي بن زيد: أرأيت قول الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيله نعم الفتى وبئست القبيلة
مدحه أم هجاه؟ قال: مدحه وهجا قومه، فقال الحسن: ما مدح من هجي قومه.
وقال من اعتذر للنابغة في قوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأي عنك واسع
إنما قدم الليل في كلامه لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعمالهم إنما كانت فيه؛ لشدة حر بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفًا.
وكذلك اعترفوا لزهير في قوله يصف الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل على الجذوع يخفن الغمر والغرقا
فقال: لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه، كما قال الله ﷿: " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " وقال: " وبلغت القلوب الحناجر " والقول فيهما محمول على كاد هكذا الحذاق من المفسرين، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابة، خوفًا على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات، وإنما اقتدى فيه بقول أوس بن حجر:
فباكرن جونا للعلاجيم فوقه مجالس غرقى لا يحلا ناهله
[ ٢ / ٢٥١ ]
وعند القاضي الجرجاني من غلط أبي النواس في الوزن قوله:
رأيت كل من كان أحمقًا معتوهًا في ذا الزمان صار المقدم الوجيها
يارب نذل وضيع نوهته تنويها هجوته لكيما أزيده تشويهًا
ولم يقل أبو نواس فيما علمت إلا رب وضيع نذل وهذا أفرط في التعصب والحمية على أبي نواس وغيره لمن لا يجري في حلبتهم ولا يشق غبارهم.