وهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه.
تكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب إليه أبو العباس الناشئ:
لعن الله صنعة الشعر، ماذا من صنوف الجهال فيها لقينا؟
يؤثرون الغريب منه على ما كان سهلًا للسامعين مبينا
ويرون المحال شيئًا صحيحا وخسيس المقال شيئًا ثمينًا
يجهلون الصواب منه، ولا يد رون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامو ن، وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما تناسب في النظ م، وإن كان في الصفات فنونا
فأتى بعضه يشاكل بعضًا قد أقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما تتمنى لو لم يكن أن يكونا
فتناهى عن البيان إلى أن كاد حسنًا يبين للناظرينا
فكان الألفاظ فيه وجوه والمعاني ركبن فيه عيونا
[ ٢ / ١١٣ ]
فائتًا في المرام حسب الأماني فيجلي بحسنه المنشدينا
فإذا ما مدحت بالشعر حرا رمت فيه مذاهب المسهبينا
فجعلت النسيب سهلًا قريبًا وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما تهجن في السم ع، وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاء عفت فيه مذاهب المرفثينا
فجعلت التصريح منه دواء وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكت فيه على الغا دين يومًا للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كا ن من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا شبت في الوع د وعيدا وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليه حذرًا آمنا، عزيزًا مهينا
وأصح القريض ما فات في النظ م، وإن كان واضحا مستبينا
وإذا قيل أطمع الناس طرا وإذا ريم أعجز المعجزينا
قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن
[ ٢ / ١١٤ ]
كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى.
قال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب.
ومن قول الناشئ في معنى شعره الأول:
الشعر ما قومت زيغ صدوره وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأيت بالإطناب شعب صدوعه وفتحت بالإيجاز عور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ووصلت بين مجمه ومعينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها أجريت للمحزون ماء شؤونه
وإذا مدحت به جوادًا ماجدًا وفيته بالشكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه وخصصته بخطيره وثمينه
فيكون جزلًا في اتساق صنوفه ويكون سهلًا في اتفاق فنونه
فإذا أردت كناية عن رتبة باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخٍ في زلةٍ أدمجت شدته له في لينه
فتركته مستأنسًا بدماثة مستيئسًا لوعوثه وحزونه
[ ٢ / ١١٥ ]
وإذا نبذت إلى التي علقتها إن صارمتك بفاتنات شؤونه
تيمتها، بلطيفه ودقيقه وشغفتها بخبيه وكمينه
وإذا اعتذرت إلى أخ من زلة واشكت بين محيله ومبينه
وهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحدًا فواحدًا، إن شاء الله ﷾.