حدثنا الشيخ أبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله تعالى، قال: سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. قال: وقال الخليل بن أحمد: يطول الكلام ويكثر ليفهم، ويوجز ويختصر ليحفظ؛ وتستحب الإطالة عند الإعذار، والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، والحارث بن حلزة، ومن شاكلهما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع، والطوال للمواقف المشهورات..
ويحكى أن الفرزدق لما وقع بينه وبين جرير ما وقع وحكم بينهما قال بعض الحكام: الفرزدق أشعر؛ لأنه أقواهما أسر كلام، وأجراهما في أساليب الشعر، وأقدرهما على تطويل، وأحسنهما قطعًا، فقدم بالقطع كما ترى.
وقال بعض العلماء: يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال، بل هو عند المحاضرات والمنازعات والتمثل والملح أحوج إليها منه إلى الطوال.
وقال أحد المجودين، وهو محمد بن حازم الباهلي:
[ ١ / ١٨٦ ]
أبى لي أن أطيل المدح قصدي إلى المعنى وعلمي بالصواب
وإيجازي بمختصرٍ قصيرٍ حذفت به الطويل من الجواب
وقيل لابن الزبعري: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل، وقال مرة أخرى: يكفيك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة..
وقيل للجماز: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: لحذفي الفضول. وقال له بعض المحدثين وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة، وهو القائل:
أقول بيتًا واحدًا وأكتفي بذكره من دون أبيات
وقيل مثل ذلك لعقيل بن علفة، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقال الجاحظ: قيل لأبي المهوس: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلا بيتًا واحدًا.
وهجا محمد بن عبد الملك الزيات أحمد بن أبي دؤاد بتسعين بيتًا، فقال ابن أبي دؤاد يخاطبه:
أحسن من تسعين بيتًا سدىً جمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة تغسل عنه وضر الزيت
غير أن المطيل من الشعراء أهيب في النفوس من الموجز وإن أجاد، على
[ ١ / ١٨٧ ]
أن للموجز من فضل الاختصار ما ينكره المطيل، ولكن إذا كان صاحب القصائد دون صاحب القطع بدرجة أو نحوها وكان صاحب القطع لا يقدر على التطويل إن حاوله بتةً سوي بينهما؛ لفضل غير المجهود على المجهود، فإنا لا نشك أن المطول إن شاء جرد من قصيدته قطعة أبيات جيدة، ولا يقدر الآخر أن يمد من أبياته التي هي قطعة قصيدة.
ولام قوم الكميت على الإطالة فقال: أنا على الإقصار أقدر، هكذا جاءت الدواية، ولا تكاد ترى مقطعًا إلا عاجزًا عن التطويل، والمقصد أيضًا قد يعجز عن الاختصار، ولكن الغالب والأكثر أن يكون قادرًا على ما حاوله من ذلك وبالعجز رمى الكميت.
وكان عبد الكريم بهذه الصفة، لا يكاد يصنع مقطوعًا، ولا أظن في جميع أشعاره خمس قطع أو نحوها.
وكان أبو تمام على جلالته وتقدمه مقصرًا في القطع عن رتبة القصائد..
والمشهورون بجودة القطع من المولدين: بشار بن برد، وعباس بن الأحنف، والحسن بن الضحاك، وأبو نواس، وأبو علي البصير، وعلي بن الجهم، وابن المعذل، والجماز، وابن المعتز.
وكانوا يقولون في زمان منصور الفقيه وهو قريب من عصرنا هذا: إياكم ومنصورًا إذا رمح بالزوج، وكان ربما هجا بالبيت الواحد.
ووصف عبد الكريم أبا الطيب؛ فزعم أنه أحسن الناس مقاطيع، ولو قال مقاطع بلا ياء قلنا صدقت ولم نخالفه.
وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ
[ ١ / ١٨٨ ]
العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد.. ويستحسنون أن تكون القصيدة وترًا، وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه؛ كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر.
وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزًا وقطعًا، وأنه إنما قصد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. وذكر ذلك الجمحي وغيره.
وأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئًا يسيرًا، وكان على عهد النبي ﷺ، ثم أتى العجاج بعد فافتن فيه؛ فالأغلب العجلي والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في القصيد.
والشاعر إذا قطع وقصد ورجز فهو الكامل؛ وقد جمع ذلك كله الفرزدق، ومن المحدثين أبو نواس، وكان ابن الرومي يقصد فيجيد، ويطيل فيأتي بكل إحسان، وربما تجاوز حتى يسرف، وخير الأمور أوساطها.. وهو القائل:
وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله فأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى عند الورود لما أطال رشاءه
٢٦ باب في البديهة والارتجال البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه الصناعة في بلدنا أو من أهل عصرنا هي الارتجال، وليست به؛ لأن البديهة فيها الفكرة والتأيد، والارتجال ما كان انهمارًا وتدفقًا لا يتوقف فيه قائله: كالذي صنع الفرزدق وقد دفع إليه سليمان بن عبد الملك أسيرًا من الروم ليقتله، فدس إليه بعض بني عبس سيفًا كهامًا فنبا حين ضرب به، فضحك سليمان، فقال الفرزدق ارتجالًا في مقامه ذلك يعتذر لنفسه، ويعير بني عبس بنبو سيف ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر:
[ ١ / ١٨٩ ]
فإن يك سيف خان أو قدر أبى لتأخير نفس حينها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ويقطعن أحيانًا مناط القلائد
ولو شئت قط السيف ما بين أنفه إلى علقٍ دون الشراسيف جاسد
ثم جلس وهو يقول:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وكالذي يروى عن أبي الخطاب عمرو بن عامر السعدي المعروف بأبي الأسد، وقد أنشد موسى الهادي شعرًا مدحه به يقول فيه:
يا خير من عقدت كفاه حجزته وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له موسى: إلا من يا بائس؟ فقال واصلًا كلامه ولم يقطعه:
إلا النبي رسول الله؛ إن له فخرًا، وأنت بذاك الفخر تفتخر
ففطن موسى ومن بحضرته أن البيت مستدرك، ونظروا في الصحيفة فلم يجدوه؛ فضاعف صلته.
وأعظم ارتجال وقع قصيدة الحارث بن حلزة بين يدي عمر بن هند؛ فإنه يقال: أتى بها كالخطبة، وكذلك قصيدة عبيد بن الأبرص، وقيل: أفضل البديهة بديهة أمن، وردت في موضع خوف، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة؟.
وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع ولا يروي إلا فلتة، روى أن الخصيب قال له مرة يمازحه وهما بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر، ولكنك لا تخطب! فقام من فوره يقول مرتجلًا:
منحتكم يا أهل مصر نصيحتي ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحية أكولٍ لحيات البلاد شروب
[ ١ / ١٩٠ ]
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خصيب
ثم التفت إليه وقال:
والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف إن كنت إلا مازحًا.
وسمعت جماعة من العلماء يقولون: كان مسلم بن الوليد نظير أبي نواس، وفوقه عند قوم من أهل زمانه في أشياء، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال، مع تقبض كان في مسلم وإظهار توفر وتصنع، وكان صاحب روية وفكرة لا يبتده ولا يرتجل.
وكان أبو العتاهية فيما يقال أقدر الناس على ارتجال وبديهة؛ لقرب مأخذه، وسهولة طريقته، اجتمع عدة من الشعراء فيهم أبو نواس؛ فشرب أحدهم ماء، ثم قال: أجيزوا: د الماء وطابا فكلهم تلعثم، حتى طلع أبو العتاهية، فقال: فيم أنتم؟ فأنشدوه، فقال وما تروى: حبذا الماء شرابا فأتى بالقسيم رسلًا شبيهًا بصاحبه، وذلك هو الذي أعوز القوم لا وزن الكلام.
وصحب رفقة فسمع زقاء الديوك، فقال لرفيقه:
هل رأيت الصبح لاحا؟
قال: نعم، قال:
وسمعت الديك صاحا.
قال: نعم، قال:
إنما بكى على المغ تر بالدنيا وناحا
[ ١ / ١٩١ ]
فاستيقظ رفيقه للكلام أنه شعر فرواه؛ فما جرى هذا المجرى فهو ارنجال.
وأما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيرًا ويكتب سريعًا إن حضرت آلة، إلا أنه غير بطيء ولا متراخ، فإن أطال حتى يفرط أو قام من مجلسه لم يعد بديهًا.
وقالوا: اجتمع الشعراء بباب الرشيد، فأذن لهم، فقال: من يجيز هذا القسيم وله حكمه؟ فقالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده
وللمحب إذا ما حبيبه بات عنده
فقال: أحسنت، وأتيت على ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
ومن عجيب ما روي في البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب:
إقدام عمرو، في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له الكندي: ما صنعت شيئًا، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيرًا، وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلًا من المشكاة والنبراس
فهذا أيضًا وما شاكله هو البديهة، وإن أعجب ما كان البديهة من أبي تمام؛ لأنه رجل متصنع، لا يحب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل: إن الكندي لما خرج أبو تمام قال: هذا الفتى قليل العمر؛ لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريبًا، فكان كذلك.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقد كان أبو الطيب كثير البديهة والارتجال، إلا أن شعره فيهما نازل عن طبقته جدًا، وهو لعمري في سعة من العذر؛ إذ كانت البديهة كما قال فيها ابن الرومي:
نار الروية نار جد منضجة وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لسرعتها لكنها سرعة تمضي مع الريح
وقال عبد الله بن المعتز:
والقول بعد الفكر يؤمن زيغه شتان بين روية وبديه
ومن الشعراء من شعره في رويته وبديهته سواء عند الأمن والخوف؛ لقدرته، وسكون جأشه وقوة غريزته: كهدبة بن الخشرم العذري، وطرفة بن العبد البكري، ومرة بن محكان السعدي؛ إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير رجلًا من بني أسد بقتله:
بني أسد إن تقتلوني تحاربوا تميمًا، إذا الحرب العوان اشمعلت
ولست وإن كانت إلى حبيبة بباك على الدنيا إذا ما تولت
وهذا شعر لو روي فيه صاحبه حولًا كاملًا على أمن ودعة وفرط شهوة أو شدة حمية لما أتى فوق هذا.
وكذلك عبد يغوث بن صلاءة؛ إذ يقول في كلمة طويلة:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
فيا راكبًا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران أن لا تلاقيا
وكانوا قد شدوا لسانه خوفًا من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، فصنع هذه القصيدة، وعرض عليهم في فدائه ألف ناقة، فأبوا إلا قتله، فقال:
[ ١ / ١٩٣ ]
فإن تقتلوني تقتلوني بخيركم وإن تطلقوني تحربوني بماليا
وهذه شهامة عظيمة وشدة.
ومن قول طرفة بن العبد لما أيقن بالموت:
أبا منذر كانت غرورًا صحيفتي ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وأين هؤلاء من عبيد بن الأبرص وهو شيخ الصناعة، ومقدم في السن على الجماعة إذ يقول له النعمان يوم بؤسه: أنشدني، فقال: حال الجريض دون القريض، قال: أنشدني قولك:
أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب
فقال: لا، ولكن:
أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد
فبلغت به حال الجزع إلى مثل هذا القول، على أن في بيت طرفة بعض الضراعة
وممن وجد نفسه عند إحاطة الموت به تميم بن جميل؛ فإنه القائل بين يدي المعتصم وقد قدم السيف والنطع لقتله:
أرى الموت بين النطع والسيف كامنًا يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي امرئ مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذر وحجة وسيف المنايا بين عينيه مصلت
[ ١ / ١٩٤ ]
يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل علي السيف فيه وأسكت
وما حزني أني أموت وأنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بنعمة أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
فكم قائل: لا أبعد الله داره وآخر جذلان يسر ويشمت
فعفا عنه المعتصم وأحسن إليه، وقلده عملًا.
وعلي بن الجهم هو القائل وقد صلب عريانًا:
لم ينصبوا بالشاذياخ عشية ال اثنين مغلولًا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم حسنًا، وملء قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه لباسه فالسيف أهول ما يرى مسلولا
وهذا من جزل الكلام، لا سيما في مثل ذلك المقام، وكان علي من الفضلاء علمًا بالشعر وصناعة له.
حكي عن علي بن يحيى أنه قال: كنت عند المتوكل إذ أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يديه ويقول:
أهلًا وسهلًا بك من رسول جئت بما يشفي من الغليل
برأس إسحاق بن إسماعيل
قال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.
والشاعر الحاذق المبرز إذا صنع على البديهة قنع منه بالعفو اللين، والنزر التافه؛ لما فيها من المشقة، وهو في الارتجال أعذر.
واشتقاق البديهة من بده بمعنى بدأ، أبدلت الهمزة هاء كما أبدلت في أشياء
[ ١ / ١٩٥ ]
كثيرة لقربها منها؛ فقد قالوا مدح ومده، ولهنك تفعل كذا بمعنى لأنك، ومثل ذلك كثير.
والارتجال: مأخوذ من السهولة والانصباب، ومنه قيل: شعر رجل، إذا كان سبطًا مسترسلًا غير جعد، وقيل: هو من ارتجال البئر وهو أن تنزلها برجليك من غير حبل.