ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولًا، وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفوًا، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفًا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض في قوله:
فلا وأبيك ما ظلمت قريع بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا
ولا وأبيك ما ظلمت قريع ولا برموا لذاك ولا أساءوا
بعثرة جارهم أن ينعشوها فيغبر حوله نعم وشاء
فيبنى مجدهم ويقيم فيها ويمشي إن أريد به المشاء
وإن الجار مثل الضيف يغدو لوجهته وإن طال الثواء
وإني قد علقت بحبل قوم أعانهم على الحسب الثراء
وكذلك قول أبي ذؤيب يصف حمر الوحش والصائد:
فوردن والعيوق مقعد رابئ ال ضرباء خلف النجم لا يتتلع
فكرعن في حجرات عذاب بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع
[ ١ / ١٢٩ ]
فشربن ثم سمعن حسًا دونه شرف الحجاب، وريب قرع يقرع
فنكرنه فنفرن فامترست به هوجاء هادية وهادٍ جرشع
فرمى فأنفذ من نحوص عائط سهمًا فخر وريشه متصمع
فبدا له أقراب هادٍ رائغًا عنه فعيث في الكنانة يرجع
فرمى فألحق صاعديًا مطحرًا بالكشح فاشتملت عليه الأضلع
فأبدهن حتوفهن فهارب بدمائه أو بارك متجعجع
فأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له، ولم ينحل عقده، ولا اختل بناؤه، ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه لما تمكن له هذا التمكن.
واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت والبيتين في القصيدة بين القصائد، يستدل بذلك على جودة شعر الرجل، وصدق حسه، وصفاء خاطره؛ فأما إذا كثر ذلك فهو عيب يشهد بخلاف الطبع، وإيثار الكلفة، وليس يتجه البتة أن يتأتى من الشاعر قصيدة كلها أو أكثرها متصنع من غير قصد؛ كالذي يأتي من أشعار حبيب والبحتري وغيرهما. وقد كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها: فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم طوعًا وكرهًا، يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة. وأما البحتري فكان أملح صنعة، وأحسن مذهبًا في الكلام، يسلك منه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة. وما أعلم شاعرًا أكمل ولا أعجب تصنيعًا من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي ألطف أصحابه شعرًا، وأكثرهم بديعًا وافتتانًا، وأقربهم قوافي وأوزانًا، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب، غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعًا منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد؛ لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها، ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقًا سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما تكثيرًا
[ ١ / ١٣٠ ]
سهلها عند الناس، وجسرهم عليها. على أن مسلمًا أسهل شعرًا من حبيب، وأقل تكلفًا، وهو أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها. ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم صريع الغواني إلا النبذ اليسيرة، وهو زهير المولدين: كان يبطئ في صنعته ويجيدها.
وقالوا: أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة، وهو ساقة العرب وآخر من يستشهد بشعره. ثم أتبعهما مقتديًا بهما كلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس. واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز؛ فانتهى علم البديع والصنعة إليه، وختم به. وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة، وحسن الديباجة، والمعرفة بمدح الملوك. وأما بشار فقد شبهوه بامرئ القيس؛ لتقدمه على المولدين وأخذهم عنه، ومن كلامهم: بشار أبو المحدثين.
وسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: إنما سمي الأعشى صناجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره. قال: ويقال: بل سمي صناجة لقوة طبعه، وحلية شعره، يخيل لك إذا أنشدته أن آخر ينشد معك. ومثله من المولدين بشار بن برد، تنشد أقصر شعره عروضًا وألينه كلامًا فتجد له في نفسك هزة وجلبة من قوة الطبع؛ وقد أشبهه تصرفًا وضربًا في الشعر وكثرة عروض مدحًا وهجاء وافتخارًا وتطويلًا. انقضى كلام أبي عبد الله ورجعنا إلى القول في الطبع والتصنيع.
ولسنا ندفع أن البيت إذا وقع مطبوعًا في غاية الجودة ثم وقع في معناه بيت مصنوع في نهاية الحسن لن تؤثر فيه الكلفة ولا ظهر عليه التعمل كان المصنوع أفضلهما، وإلا أنه إذا توالى ذلك وكثر لم يجز البتة أن يكون طبعًا واتفاقًا؛ إذ ليس ذلك في طباع البشر. وسبيل الحاذق بهذه الصناعة إذا غلب عليه حب التصنيع أن يترك للطبع مجالًا يتسع فيه، وقيل: إذا كان الشاعر
[ ١ / ١٣١ ]
مصنعًا بان جيده من سائر شعره: كأبي تمام؛ فصار محصورًا معروفًا بأعيانه، وإذا كان الطبع غالبًا عليه لم يبن جيده كل البينونة، وكان قريبًا من قريب: كالبحتري ومن شاكله. وقد نص ابن الرومي في بعض تسطيراته على محمد بن أبي حكيم الشاعر حين عاب عليه قوله في الفرس من قصيدة رثى بها عبد الله بن طاهر:
فله شهامة سودنيق باكر وحوافر حفر ورأس صنتع
وذكر قول حبيب:
بحوافر حفر وصلب صلب
فحفل به، واعتذر له، وخرج التخاريج الحسان، وذكر أن الحافر المقعب ونحوهما أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر، إلا أن الطائي عنده كان يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى بلفظة نبطية لأتى بها، والذي أراه أن ابن الرومي أبصر بحبيب وغيره منا، وأن التسليم له والرجوع إليه أحزم، غير أنني لو شئت أن أقول ولست رادًا عليه، ولا معترضًا بين يديه إن المعنى الذي أراده وأشار إليه من جهة الطائي إنما هو معنى الصنعة كالتطبيق والتجنيس وما أشبههما، لا معنى الكلام الذي هو روحه، وإن اللفظ الذي ذكر أنه لا يبالي به إنما هو فصيح الكلام ومستعمله، ويدلك على صحة ما ادعيته على ابن الرومي قوله " إن الحافر الوأب والمقعب أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر "؛ فكلامه راجع إلى ما قلته في الطائي، غير مخالف له، وإن كان في الظاهر على خلافه؛ لينساغ ذلك، إلا أن أكثر الناس على ما قال، وإنما هذا معرض للكلام، لا مخالفة.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقال الجاحظ: كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميًا، ولا ساقطًا سوقيًا؛ فكذلك لا ينبغي أن يكون وحشيًا، إلا أن يكون المتكلم به بدويًا أعرابيًا؛ فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي.
قال: وأنشد رجل قومًا شعرًا فاستغربوه، فقال: والله ما هو بغريب، ولكنكم في الأدب غرباء.
وعن غيره: أن رجلًا قال للطائي في مجلس حفل وأراد تبكيته لما أنشد: يا أبا تمام، لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟ فقال له: وأنت لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟ ففضحه.
ويروى أن هذه الحكاية كانت مع أبي العميثل وصاحبين له خاطباه فأجابهما.
وقال بعض من نظر بين أبي تمام وأبي الطيب: إنما حبيب كالقاضي العدل: يضع اللفظة موضعها، ويعطي المعنى حقه، بعد طول النظر والبحث عن البينة، أو كالفقيه الورع: يتحرى في كلامه ويتحرج خوفًا على دينه. وأبو الطيب كالملك الجبار: يأخذ ما حوله قهرًا وعنوة، أو كالشجاع الجريء: يهجم على ما يريده لا يبالي ما لقي، ولا حيث وقع.
وكان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان إصلاحه ويشغلان به حواسهما وخواطرهما.
ومن أصحابهما في التنقيح وفي التثقيف والتحكيك طفيل الغنوي. وقد قيل: إن زهيرًا روى له، وكان يسمى محبرًا لحسن شعره.
ومنهم الحطيئة، والنمر بن تولب، وكان يسميه أبو عمرو بن العلاء الكيس.
وكان بعض الحذاق بالكلام يقول: قل من الشعر ما يخدمك، ولا تقل منه ما تخدمه، وهذا هو معنى قول الأصمعي، وسأحلي هذا الباب من كلام السيد
[ ١ / ١٣٣ ]
أبي الحسن بحلية تكون له زينة فائقة، وأختمه بخاتمة تكسوه حلة رائقة؛ لأوفى بذلك بعض ما ضمنت، وأقضى به حق ما شرطت، إن شاء الله.
فمن ذلك قوله بتاهرت سنة خمس وأربعمائة يتشوق إلى أهله:
ولي كبد مكلومة من فراقكم أطامنها صبرًا على ما أجنت
تمنتكم شوقًا إليكم وصبوةً عسى الله أن يدني لها ما تمنت
وعين جفاها النوم واعتارها البكى إذا عن ذكر القيروان استهلت
فلو أن أعرابيًا تذكر نجدًا فحن به إلى الوطن، أو تشوق فيه إلى بعض السكن؛ ما حسبته يزيد على ما أتى به هذا المولد الحضري المتأخر العصر، وما انحط بهذا التمييز في هواي، ولا أتنفق بهذا القول عند مولاي، ولا الخديعة مما تظن به، ولا فيه، ولكن رأيت وجه الحق فعرفته، والحق لا يتلثم، وما هو في بلاغته وإيجازه إلا كما قال الأحيمر السعدي في وصيته:
من القول ما يكفي المصيب قليله ومنه الذي لا يكتفي الدهر قائله
يصد عن المعنى فيترك مانحًا ويذهب في التقصير منه يطاوله
فلا تك مكثارًا تزيد على الذي عنيت به في خطب أمر تزاوله