أنشدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، لرجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم:
تضيفني وهنا، فقلت: أسابقي إلى الزاد؟ شلت من يدي الأصابع
ولم تلق للسعدي ضيفًا بقفرة من الأرض إلا وهو عريان جائع
لم يرد أنه يسبق ضيفه إلى الزاد فيكون قد هجا نفسه، ولكنه وصف ذئبًا لقيه ليلًا، فقال: أتسبقني أنت إلى الأكل؟ أي: تأكلني، شلت إذًا أصابعي إن لم أرمك فأقتلك فآكل من لحمك!! ثم قال على جهة المثل: لم تلق للسعدي يعني نفسه ضيفًا بقفزة لا مستعتب فيها يعني الذئب إلا وهو جائع، يقول: فهو لا يبقي علي لأني بغيته.
ومن أناشيدهم:
أبوك الذي نبئت يحبس خيله غداة الندى حتى يجف لها البقل
قالوا: إذا أخذ مطر الصيف الأرض أنبتت بقلًا في أصول بقل قد يبس فذلك الأخضر هو النشر، وهو الغمير، فتأكله الإبل، فيأخذها السهام، ولا سهام في الخيل؛ فعابه بالجهل بالخيل.
وقال الأصمعي: هذا القول خطأ، بل مدحه بمعرفة الخيل؛ لأن النشر مؤذٍ لكل من يأكله وإن لم يكن ثم سهام.
وقال سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي ﵄، وذكر آل رسول الله ﷺ، ويروي للفرزدق:
[ ٢ / ١٨٦ ]
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي إلا بعد أن جنيت علي؛ وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى، كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعًا صحيحان؛ لأنه من الأضداد.
وينشدون قول الآخر:
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
ويروى:
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ألا كل كلب لا أبا لك نابح
قالوا: فالمدح أن يكون إنما يكعمه لئلا يعقر الضيوف، والذم أن يكون ذلك لئلا ينبح فيدل عليه الضيف، وأنا أعرف هذا البيت في هجاء محض للراعي هجا به الحطيئة، وهو:
ألا قبح الله الحطيئة؛ إنه على كل من وافى من الناس سالح
ويروى: على كل ضيف ضافه فهو سالح
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
بكيت على مذق خبيث قريته ألا كل عبسي على الزاد نائح
وأنشدنا أبو عبد الله:
تجنبك الجيوش أبا خبيب وجاد على منازلك السحاب
ويروى: أبا ربيب قال: إن دعا له فإنما أراد أن يعافي من الجيوش، وأن يجوده السحاب فتخصب أرضه، وإن دعا عليه قال: لا بقي لك خير تطمع فيه الجيوش، فهي تتجنب ديارك لعلمهم بقلة الخير عندك، ويدعو على محلته بأن تدرسها الأمطار.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقال غيره: معناه جاد على محلتك السحاب فأخصبت ولا ماشية لك، فذلك أشد لهمك وغمك، ويكون المعنى حينئذ كقول الآخر:
وخيفاء ألقى الغيث فيها ذراعه فسرت وساءت كل ماش ومصرم
أي: فسرت كل ماشية، وساءت كل فقير.
وأنشد أبو عبد الله أيضًا:
إني على كل إيسار ومعسرة أدعو حبيشًا كما تدعى ابنة الجبل
وروى المبرد: أدعو حنيفًا يريد أنه يجيب بسرعة كالصدى، وهو ابنة الجبل، وقيل: ابنة الجبل الصخرة المنحدرة من أعلاه، وزاد أبو زيد في روايته بيتًا، وهو:
إن تدعه موهنًا يعجل بجابته عاري الأشاجع يسعى غير مشتمل
فهذا مدح لا محالة، ومنهم من حمله على قول الآخر:
كأني إذ دعوت بني حنيف دعوت بدعوتي لهم الجبالا
ورواه قوم: بني سليم فمن مدح جعله كالأول في سرعة الإجابة، ومن ذم نسبهم إلى الثقل عن إجابته مثل الجبال.
ومن الدعاء الذي يدخل في هذا الباب قول الآخر:
تفرقت غنمي يومًا فقلت لها: يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
قيل: إنهما إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر، وإذا تفرقا آذيا، وقيل: إن معناه في الدعاء عليها قتل الذئب الأحياء عيثًا، وأكل الضبع الأموات، فلم يبق منها بقية.
ومن لطيف ما وقع في هذا الباب قول النابغة الذبياني:
يصد الشاعر الثنيان عني صدود البكر عن قرم هجان
[ ٢ / ١٨٨ ]
لم يرد أنه يغلب الثنيان ولا يغلب الفحل، لكن أراد التصغير بالذي هجاه، فجعله ثانيًا، وقال الآخر:
ومن يفخر بمثل أبي وجدي يجئ قبل السوابق وهو ثاني
أراد وهو ثان من عنانه؛ لأنه يسبق متمهلًا.
وقال ابن مقبل:
إن الرفاق أناخوا حول منزله حلوا بذي فجرات زنده واري
قال ابن السكيت " بذي فجرات " أي: يتفجر بالسخاء والعطاء، ويدل على ما قال ابن السكيت أن لصيق هذا البيت:
جم المخارج، أخلاق الكريم له، صلت الجبين، كريم الخال مغوار
ومما يمدح به ويذم قولهم " هو بيضة البلد " فمن مدح أراد بها أصل الطائر، ومن ذم أراد أنها لا أصل لها، قالت أخت عمرو بن عبدود في علي بن أبي طالب ﵁ لما قتل أخاها:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله لقد بكيت عليه آخر الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به وكان يدعى قديمًا بيضة البلد
فهذا مدح كما تراه.
وقال الراعي النميري يهجو عدي بن الرقاع العاملي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة ن ترضى لكم نسبًا وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وأنشد بعض العلماء:
وإني لظلام لأشعث بائس عرانا، ومقرور بري ماله الدهر
وجار قريب الدار، أو ذي جناية غريب بعيد الدار ليس له وفر
يظنه السامع هجا نفسه بظلم هؤلاء الذين ذكر، إنما مدحها بأنه يظلم
[ ٢ / ١٨٩ ]
الناقة فينحر فصيلها من غير علة ولا داء، إلا لضيافة هذا الأشعث، والجار وأشباههما.
٨٤ - باب في أصول النسب وبيوتات العرب
أول النسب بعد آدم ﷺ من نوح ﵇؛ لأن جميع من كان قبله قد هلك، وإنما بقي من ولده سام، وحام، ويافث، فولد يافث الصقالبة وبرجان والأشبال، وكانت منازلهم أرض الروم، من قبل أن تكون الروم، ومن ولده الترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج؛ وولد حام كوش وكنعان وقوط؛ فأما قوط فنزل أرض الهند والسند فأهلها من ولده، وأما كوش وكنعان فأجناس السودان، والنوبة، والزنج، والزعارة، والحبشة، والقبط، وبربر من أولادهما؛ وولد سام إرم، وإر فخشذ، فعاد بن عوص بن إرم، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم، ومنهم العماليق، ومنهم فراعنة مصر، والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأجناس الفرس كلها ولده، وثمود بن عابر بن سام، وماش بن إرم نزل ببابل، ومن ولده نمرود الذي فرق الله الألسنة في زماته، وهو الذي بنى الصرح ببابل، ويقال: إن النبط من ولد ماش؛ ويقال أيضًا: إنهم من ولد شاروخ بن فالغ بن إرفخشذ، والأنبياء كلها عربيها وعجميها، والعرب كلها يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح، حكى جميع ذلك ابن قتيبة، ومن ولد إرفخشذ قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ، وكان مسكن قحطان اليمن، فكل يمان من ولده، فهم من العرب العاربة. ويقطن بن عابر، وهو أبو جرهم، وكانت مساكن جرهم اليمن، ثم نزلوا مكة فسكنوا بها، وتزوج إسماعيل ﷺ امرأة منهم؛ فهم أخوال العرب المستعربة.
قال الزبير بن بكار: العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة،
[ ٢ / ١٩٠ ]
وبطن، وفخذ، وفصيلة: فمضر شعب، وربيعة شعب، ومذحج شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها: أسد قبيلة، ودودان بن أسد عمارة، والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل: كنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
وزعم أبو أسامة فيما رأيت بخطه، وقد عاصرته، وكان علامة باللغة أن تأليف هذه الطبقات على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع؛ فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من فبلته، ثم العمارة، قال: والعمارة الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال: وهي الساق، أو قال: المفصل، الشك مني أنا، قال: والحي أعظم من الجميع؛ لاشتمال هذا الاسم على جملة الإنسان.
وأما أبو عبيدة فجعل بعد الفخذ العشيرة، قال: وهم رهط الرجل دنيا ثم الفصيلة، قال: دون ذلك بمنزلة المفصل من الجسد، وهم أهل بيت الرجل، فأما البيوتات فكل يدعي لنفسه سابقة، ويمت بفضيلة، غير أن الصحيح ما اتفق عليه العلماء، وتداوله الرواة.
قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر والبيت والفرسان في شيبان.
[ ٢ / ١٩١ ]
قال ابن سلام الجمحي: كان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان.
قال أبو عبيدة: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعد ولا أكثر فرسانًا من بني ثعلبة بن عكابة، وكان يقال له: الأغر والحصن، وبنوه شيبان، وذهل، وقيس، وتيم الله. قال: ففارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحاكمهما هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المري، وشاعرها النابغة الذبياني، وفارس بني تميم عتيب بن الحارث بن شهاب أحد بني يربوع، وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري، وفارس دارم عمرو ابن عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن أعبد المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصن الضبي، وفارس قيس عامر بن طفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس.
قال أبو عبيدة: بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة.
وقال أبو عمرو بن العلاء:
بيت بني سعد اليوم إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن
[ ٢ / ١٩٢ ]
عمرو الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس.
قال: وليس في العرب جساس غيره.
قال الجمحي: فارس اليمن في بني زبيد عمرو بن معدي كرب، وشاعرها امرؤ القيس، وبيتها في كندة الأشعث بن قيس، لا يختلف في هذا، وإنما اختلف في نزار.
قال: وأما الشرف فما كان قبل النبي ﷺ إلى عهد النبي واتصل في الإسلام.
قال أبو إياس البصري: كان بيت قيس في آل عمرو بن ظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع؛ ثم تحول إلى بني بدر، فجاء الإسلام وهو فيهم.
وقال الأخفش علي بن سليمان: فرعا قريش هاشم وعبد شمس، وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر، وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع، وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وبكر ابنا كلاب، وفرعا قضاعة عذرة والحارث بن سعد.