من ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين: كقولهم جلل بمعنى صغير، وجلل بمعنى عظيم؛ فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيسًا، وكذلك الجون الأبيض، والجون الأسود، وما أشبه ذلك وكذلك إن دخل النفي كما قدمت، قال البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ويسري إلي الشوق من حيث أعلم
فهذا مجانس في ظاهره، وهو في باطنه مطابق؛ لأن قوله لا أعلم كقوله أجهل، ومثل ذلك قول الآخر:
لعمري لئن طال الفضيل بن ديسم مع الظل ما إن رأيه بطويل
كأنه قال: إن رأيه قصير، وقد جاء في القرآن: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " فأما قول الفرزدق:
[ ٢ / ١٢ ]
لعمري لئن قل الحصى في عديدكم بني مهشل ما لؤمكم بقليل
ظاهره تجنيس بالقلة، وباطنه تطبيق بالكثرة؛ إذ كان معنى قل الحصى في عديدكم أنكم كثير، ومعنى ما لؤمكم بقليل أنه كثير أيضًا، فخاف الأول، وقد قال جلهمة بن أد بن مالك وهو طيء لولده في وصية: " ولا تكونوا كالجراد أكل ما وجد وأكله ما وجده " فهذا مجانس الظاهر مطابق الباطن، ومما أنشده ثعلب:
أبى حبي سليمى أن يبيدا وأمسى حبلها خلقًا جديدا
الجديد هنا: المجدود وهو المقطوع، مثل قتيل وهزيل بمعنى مقتول ومهزول، كأنه قال مجدودًا، أي: مقطوعًا، فليس بمطابق، وإن كان كذلك في الظاهر عند من لا يميز، فأما المميز فيعلم أنه لا يكون خلقًا جديدًا في حال: وقال العتابي يعاتب المأمون وقد حجب عنه وكان به حفيًا:
تضرب الناس بالمهندة البي ض على غدرهم وتنسى الوفاء
فأتى بالغدر والوفاء، جميعًا، وهما ضدان، فطابق بينهما في الظاهر وباطن كلامه مجانس لأن قوله وتنسى الوفاء كقوله تغدر.
وقال جرير أيضًا:
أتصحو أم فؤادك غير صاح.
فقوله غير صاح نقيض أتصحو لولا استفهام لم تعلم حقيقة محصوله بعد، إلا على مذهب من جعل أم بمعنى بل فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض الصحو، ودخل كلامه في المطابقة.. وقال قيس بن الخطيم، ويروي لعدي:
[ ٢ / ١٣ ]
وإني لأغنى الناس عن متكلف يرى الناس ضلالًا وليس بمهتدي
كأنه قال وهو ضال فجانس في الباطن، وإن كان قد طابق في الظاهر. ومن هذا الباب قولك فاعل ومفعول، نحو خالق ومخلوق وطالب ومطلوب هما ضدان في المعنى، وإن تجانسا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعل والمفعول مفعل نحو مكرم ومكرم ومعط ومعطى وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء، وأما قولك قضيت واقتضيت فظاهره تجنيس وباطنه طباق، إلا أنه غير محض، وكذلك قولك أخذت وأعطيت؛ لأن الأخذ ضده الترك، والإعطاء ضد المنع، فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقًا وليس كما ظن، ولكنه كثر جدًا في الكلام، واستعمله الناس، كما تقدم من قولنا في الحلم والجهل والجمال والقبح.
ومما ظاهره تجنيس وباطنه طباق الوعد والوعيد كما قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وأول ما يعتد به في هذا الباب قول امرئ القيس:
فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
ويروى فإن تكتموا الداء لا نخفه وقوله لا نخفه أي: لنبده من
[ ٢ / ١٤ ]
قوله تعالى: أكاد أخفيها فكأن الشاعر قال: إن تدفنوا الداء ندعه دفينًا أو قال: إن تكتموا الداء نكتمه، وكذلك قوله لا نقعد كأنه قال: إن تبعثوا الحرب نبعثها، ومن كلام السيد أبي الحسن:
وأعلم أن المجد شيء مخلد وأن الفتي والمال غير مخلد
والبيت من قصيدة شريفة أولها:
صحا القلب عن سعدي وعن أم مسعد ولم يشجني نوح الحمام المغرد