قال أبو الفتح عثمان بن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، والذي ذكره أبو الفتح صحيح بين؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان عاقبة ما دلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه وغيره، وإنما خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر، وأبعدها ومتعاطى، وكل يصف الشيء بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة، وعجز أو قدرة، وصفة الإنسان ما رأى يكون لا شك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما أبصر بما لم يبصر، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائمًا لامه فقال: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ قال: أنشدني شيئًا من قوله الذي استعجزتني في مثله، فأنشده في صفة الهلال:
فانظر إليه كزورق من فضةٍ قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال: زدني، فأنشده:
كأن آذريونها والشمس فيه كاليه
[ ٢ / ٢٣٦ ]
مداهن من ذهب فيها بقايا غاليه
فصاح: وا غوثاه، يا لله، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن الخلفاء، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما أعرف أين يقع الناس كلهم مني؟ هل قال أحد قط أملح من قولي في قوس الغمام:
وقد نشرت أيدي السحاب مطارفًا على الأرض دكنًا وهي خضر على الأرض
يطرزها قوس الغمام بأصفر على أحمر في أخضر وسط مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض
وقولي في قصيدة في صفة الرقاقة:
ما أنس لا أنس خبازًا مررت به يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفة كرة وبين رؤيتها زهراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وهذا كلام إن صح عن ابن الرومي فلا أظن ذلك أمرًا لزمه في الدرك؛ لأن جميع ما أراه ابن المعتز أبوه وجده في ديارهم كما ذكر أن ذلك علة للإجادة وعذر فقد رآه ابن الرومي هنالك أيضًا، اللهم إلا أن يريد أن ابن المعتز ملك قد شغل نفسه بالتشبيه فهو ينظر ماعون بيته وأثاثه فيشبه به ما أراد، وأنا مشغول بالتصرف في الشعر طالبًا به الرزق: أمدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طورًا، ولا يمكن أن يقع أيضًا عندي تحت هذا، وفي شعره أيضًا من مليح التشبيه ما دونه النهايات التي لا تبلغ، وإن لم يكن التشبيه غالبًا عليه كابن المعتز.
ولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة، ولا أنها
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أفسدتها، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها، تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء، وإن كان الأولون قد نهجو الطريق، ونصبوا الأعلام للمتأخرين، وإن قال قائل: ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى بكم الزمان قلت في أيديكم المعاني، وضاق بكم المضطرب؟ قلنا: أما المعاني فما قلت غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص، وأن الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقًا بالقدرة، ما يمسكه إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبدًا تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضًا وكان ابن الرومي ضنينًا بالمعاني، حريصًا عليها، يأخذ المعنى الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهرًا لبطن، ويصرفه في كل وجه، وإلى كل ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد، ثم نجد من بعده من لا ينتهيه في الشعر، بل لا يعشره، قد أخذ المعنى بعينه فولد فيه زيادة، ووجه له وجهة حسنة، لا يشك البصير بالصناعة أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة، ولكن الإنسان مبني على النقصان.
وسأورد عليك من معاني المعاني المتقدمين، وأنظرها بأمثالها من أقوال المولدين لا أعدوها ليتبين البرهان، هذا، على أنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب، وكشفت لهم عوارهم، ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلًا بالحق، ولا ميلًا إلى بنيات الطرق، لكن غضًا من الجاهل المتعاطي، والمتحامل الجافي، الذي إذا أعطي حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد،
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم؟ وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعًا؟ فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد أو متهم، أو طولب بحجة في لحنة أو شاذ، أو نواظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة، قال: هكذا أعرف، وكأنما أعطي جوامع الكلم، حاش لله! وأستغفر الله، بل هو العمى الأكبر، والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، وإلى أي كتاب يرجع، وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه، فهو كما قال حماد عجرد في يونس بن فروة:
أما ابن فروة يونس فكأنه من كبره أير الحمار القائم
ما الناس عندك غير نفسك وحدها والناس عندك ما خلاك بهائم
وأين من ذكر بشار بن برد حين قيل له: بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك: في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكر جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.
وكم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ذكرهم في هذا الكتاي، ويدخلوا في جملة من يعد خطله، ويحصى زلله؛ لذكرت من لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من هذه الصناعة التي ادعوها باطلًا، وانتسبوا إليها انتحالًا، وقد بلغني أن بعض من لا يتورع عن كذب، ولا يستحيي من فضيحة، زعم أني أخذت عنه
[ ٢ / ٢٣٩ ]
مسائل في هذا الكتاب لو سئل عنها الآن ما علمها، والامتحان يقطع الدعوى، كما قال بعض الشعراء:
من تحلى بغير ما هو فيه فضح الإمتحان ما يدعيه
وكنت غنيًا عن تهجين هذا الكتاب بالإشارة إلى من أشرت إليه آنفًا من ذكره، وعزوفًا بهمتي عن الانحطاط إلى مساواته، ولكن رأيت السكوت عنه عجزًا وتقصيرًا، كما قال أبو تمام:
ترك اللئيم ولم يمزق عرضه نقص على الرجل الكريم وعار
وكما قال أبو الطيب، وقد استحق المعنى عليه:
إذا أتت الإساءة من وضيع ولم ألم المسيء فمن ألوم؟
ثم أعود إلى التسطير فأطرح عن المحدث المولد ما كان من جنس تشبيه النعامة للطرماح، وصفة الثور الوحشي له أيضًا، وصفة مغارز ريش النعامة إذا أمرط للشماخ، ومثل بيت العنكبوت فيما يمتد من لغام الناقة تحت لحييها في شعر الحطيئة؛ وتشبيه الذباب بالأجذم، ولحيى الغراب بالجلم لعنترة، وأشباه هذا مما انفردت به الأعراب والبادية كعادتها، كانفرادها بصفات النيران، والفلوات الموحشة، وورود مياهها الآجنة، وتعسف طرقاتها المجهولة، إلى غير ذلك مما لا يعرف عيانًا؛ إذ كان المحدث غير مأخوذ به، ولا محمول عليه، ألا ترى إلى أبي نواس وهو متقدم في المحدثين لما وصف الأسد وليس من معارفه، ولعله ما شاهده قط إلا مرة في العمر إن كان شاهده؛ دخل عليه الوهم فجعل عينيه بارزة وشبههما بعيون المخنوق، وقام عنده أن هذا أشنع وأشبه بشتامة وجه الأسد، وذهب عنه من صفة أبي زبيد وغيره لغؤور عينيه مما هو أعلم به ممن أخذ عليه، وأكثر ظني والله أعلم أن أبا نواس إنما رجع بالصفة
[ ٢ / ٢٤٠ ]
الرجل المشبه بالأسد، وجعل أزورار عينيه وبروز جفنيه من علامات الغيظ والحنق على أقرانه في الحرب.
وكذلك لما تعاطى الأعرابي أبو نخيلة ما لا يعرف قال: ولم تذق من البقول الفستقا فجعله بقلًا على ما في نفسه من لعاع البقل.
على أن المحدثين قد شاركوا القدماء في كل ما ذكرته أيضًا، إلا أولئك أولى به، وأحق بالتقدمة فيه، كما خالطوهم في صفات النجوم ومواقعها، والسحب وما فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لا يتسع له هذا الباب، ولكني أفرد كتابًا قائمًا بنفسه أذكر فيه ما انفرد به المحدثون، وما شاركهم فيه المتقدمون، وآتي ها هنا من هذين النوعين بما يسد خلة المفتقر إلى سماعه من المبتدئين.
قال النابغة يذكر طول ليله:
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وقال أبو الطيب في وزنه ورويه:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
فإن نهاري ليلة مدلهمة على مقلة من فقدكم في غياهب
فأنت ترى ما فيه من الزيادة وحسن المقصد، على أن بيتي النابغة عندهم في غاية الجودة.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وقال يزيد بن الطثرية حين حلق أخوه ثور جمته:
فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت عليها عقاب ثم طارت عقابها
وهذا البيت من أفضل الأوصاف وأحسنها بيانًا عند قدامة وغيره.
وقال بعض المتأخرين، وأحسبه الزيادي، في غلام حلقت وفرته:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحًا غيرة منهم عليه وشحًا
كان صبحًا عليه ليل بهيم فمحوا ليله وأبقوه صبحًا
وقال رؤبة بن العجاج:
أمست شواتي كالصفاة صفصفا فصار رأسي جبهة إلى القفا
فقال ابن الرومي وأحسن ما شاء:
يجذب من نقرته طرة إلى مدى يقصر عن نيله
فوجهه يأخذ من رأسه أخذ النهار الصيف من ليله
ولو تتبعت هذا لأطلت في غير موضع الإطالة.
فأما ما انفرد به المحدثون فمثل قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانًا
قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وكرره فقال:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها قلبي وأمسى به من حبها أثر:
أنى ولم ترها تهذي؟ فقلت لهم: إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
وقوله أيضًا:
وكيف تناسى من كأن حديثه بأذني وإن غيبت قرط معلق
واختراعاته كثيرة، واشتهاره بذلك يغني عن الإنشاد له.
وكقول أبي نواس، وقد ذكر المبرد أنه لم يسبق إليه، وهو:
[ ٢ / ٢٤٢ ]
أيها الرائحان باللوم لوما لا أذوق المنام إلا شميما
نالني بالملام فيها إمام لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني لست إلا على الحديث نديما
كبر حظى منها إذا هي دارت أن أراها أو ان أشم النسيما
فكأني وما أزين منها قعدي يزين التحكيما
كل عن حمله السلاح إلى الحر ب فأوصى المطيق أن لا يقيما
القعدية: فرقة من الخوارج ترى الخروج وتأمر به، وتقعد عنه.
وقوله أيضًا:
بنينا على كسرى سماء مدامة مكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه إذًا لاصطفاني دون كل نديم
وهذا المعنى أيضًا لم يتناوله أحد قبله.
وكذلك قوله:
قد قلت للعباس معتذرًا من ضعف شكريه ومعترفًا:
أنت امرؤ جللتني نعمًا أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك مني اليوم تقدمة تلقاك بالتصريح منكشفًا
لا تسدين إلي عارفة حتى أقوم بشكر ما سلفا
وقال أيضًا في صفة النساء الخمارات، ويروي لابن المعتز:
وتحت زنانير شددن عقودها زنانير أعكان معاقدها السرر
فهذا تشبيه ما علمت أنه سبق إليه.
وقال أيضًا:
لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى؟
لو تفرعت لاستطالة ليلى ولرعي النجوم كنت مخلا
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ومعاني أبي نواس واختراعاته كثيرة.
وأكثر المولدين معاني وتوليدا فيما ذكره العلماء أبو تمام، غير أن القاسم بن مهرويه قد زعم أن جميع ما لأبي تمام من المعاني ثلاثه: أحدها قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
والثاني قوله:
بني مالك، قد نبهت خامل الثرى قبور لكم مستشرقات المعالم
غوامض قيد الكلف من متناول وفيها علًا لا يرتقي بالسلالم
والثالث قوله:
يأبى على التصريد إلا نائلًا إن لم يكن محضًا قراحًا يمذق
نزرًا كما استكرهت عائر نفحة من فأرة المسك التي لم تفتق
وأنا أقول: إن أكثر الشعراء اختراعًا ابن الرومي، وسيأتي برهان ذلك في الكتاب الذي شرطت تأليفه إن شاء الله سبحانه.. ولا بد ها ههنا من نبذ يسيرة أشغل بها الموضع: منها قوله:
عيني لعينك حين تنظر مقتل لكن لحظتك سهم حتف مرسل
ومن العجائب أن معنى واحدًا هو منك سهم وهو مني مقتل
وقوله في عتاب:
توددت حتى لم أدع متوددًا وأفنيت أقلامي عتابًا مرددا
كأني أستدعي بك ابن حنية إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
وقوله في أبيات يتغزل فيها، وإن كان قد كرر المعنى:
نظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها ثم انثنت عنه فظل يهيم
فالموت إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وقوله ولم أسمع أحسن منه في معناه:
وما يعتريها آفة بشرية من النوم إلا أنها تتبختر
وغير عجيب طيب أنفاس روضة منورة باتت تراح وتمطر
كذلك أنفاس الرياض بسحرة تطيب، وأنفاس الورى تتغير